فهرس الكتاب

الصفحة 1816 من 6230

المسألة الثالثة: الفقه: الفهم، يقال أوتى فلانا فِقْهًا، وَمِنْهُ

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا بن عباس: «فقهه في التأويل»

أي فهمه. ثم قال تعالى:

[سورة النساء(4): آية 79]

مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)

قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّ لَفْظَ السَّيِّئَةِ تَارَةً يَقَعُ عَلَى الْبَلِيَّةِ وَالْمِحْنَةِ، وَتَارَةً يَقَعُ عَلَى الذَّنْبِ وَالْمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَضَافَ السَّيِّئَةَ إِلَى نَفْسِهِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النساء: 78] وَأَضَافَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ: وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فَلَا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَإِزَالَةِ التَّنَاقُضِ عَنْهُمَا، وَلَمَّا كَانَتِ السَّيِّئَةُ بِمَعْنَى الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ مُضَافَةً إِلَى اللَّه وَجَبَ أَنْ تَكُونَ السَّيِّئَةُ بِمَعْنَى الْمَعْصِيَةِ مُضَافَةً إِلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَزُولَ التَّنَاقُضُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْمُتَجَاوِرَتَيْنِ، قَالَ: وَقَدْ حَمَلَ الْمُخَالِفُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى تَغْيِيرِ الْآيَةِ وقرءوا: (فَمِنْ تَعْسِكَ) فَغَيَّرُوا الْقُرْآنَ وَسَلَكُوا مِثْلَ طَرِيقَةِ الرَّافِضَةِ مِنَ ادِّعَاءِ التَّغْيِيرِ فِي الْقُرْآنِ.

فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَاذَا فَصَلَ تَعَالَى بَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَأَضَافَ الْحَسَنَةَ الَّتِي هِيَ الطَّاعَةُ إِلَى نَفْسِهِ دُونَ السَّيِّئَةِ وَكِلَاهُمَا فِعْلُ الْعَبْدِ عِنْدَكُمْ؟

قُلْنَا: لِأَنَّ الْحَسَنَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ فَإِنَّمَا وَصَلَ إِلَيْهَا بِتَسْهِيلِهِ تَعَالَى وَأَلْطَافِهِ فَصَحَّتِ الْإِضَافَةُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا السَّيِّئَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ فِعْلِ الْعَبْدِ فَهِيَ غَيْرُ مُضَافَةٍ إِلَى اللَّه تَعَالَى لَا بِأَنَّهُ تَعَالَى فَعَلَهَا وَلَا بِأَنَّهُ أَرَادَهَا، وَلَا بِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا، وَلَا بِأَنَّهُ رَغِبَ فِيهَا، فَلَا جَرَمَ انْقَطَعَتْ إِضَافَةُ هَذِهِ السَّيِّئَةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ إِلَى اللَّه تَعَالَى. هَذَا مُنْتَهَى كَلَامِ الرَّجُلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَنَحْنُ نَقُولُ: هَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّه تَعَالَى، وَالْقَوْمُ لَا يَقُولُونَ بِهِ فَصَارُوا مَحْجُوجِينَ بِالْآيَةِ.

إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ حَسَنَةٌ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّه.

إِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْإِيمَانَ حَسَنَةٌ، لِأَنَّ الْحَسَنَةَ هِيَ الْغِبْطَةُ الْخَالِيَةُ عَنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْقُبْحِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِيمَانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَسَنَةً لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ [فُصِّلَتْ: 33] الْمُرَادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النَّحْلِ: 90] قِيلَ: هُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، فَثَبَتَ أَنَّ الْإِيمَانَ حَسَنَةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّه لِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَقَوْلُهُ:

مَا أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَى كُلِّهَا بِأَنَّهَا مِنَ اللَّه، فَيَلْزَمُ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، أَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ حَسَنَةٌ، وَكُلُّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّه، الْقَطْعُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ مِنَ اللَّه.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ الْإِيمَانِ مِنَ اللَّه هُوَ أَنَّ اللَّه أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ وَهَدَاهُ إِلَى مَعْرِفَةِ حَسَنِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ قُبْحِ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ؟

قُلْنَا: جَمِيعُ الشَّرَائِعِ مُشْتَرِكَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ عِنْدَكُمْ، ثُمَّ إِنَّ الْعَبْدَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ أَوْجَدَ الْإِيمَانَ، وَلَا مَدْخَلَ لِقُدْرَةِ اللَّه وَإِعَانَتِهِ فِي نَفْسِ الْإِيمَانِ، فَكَانَ الْإِيمَانُ مُنْقَطِعًا عَنِ اللَّه فِي كُلِّ الْوُجُوهِ، فَكَانَ هَذَا مُنَاقِضًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت