فهرس الكتاب

الصفحة 3424 من 6230

إِلَى مَرَاحِهَا حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا، وَيُقَالُ: سَرَّحَ الْقَوْمُ إِبِلَهُمْ سَرْحًا إِذَا أَخْرَجُوهَا بِالْغَدَاةِ إِلَى الْمَرْعَى. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هَذِهِ الْإِرَاحَةُ أَكْثَرُ مَا تَكُونُ أَيَّامَ الرَّبِيعِ إِذَا سَقَطَ الْغَيْثُ وَكَثُرَ الْكَلَأُ وَخَرَجَتِ الْعَرَبُ لِلنُّجْعَةِ، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ النَّعَمُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ وَجْهَ التَّجَمُّلِ بِهَا أَنَّ الرَّاعِيَ إِذَا رَوَّحَهَا بِالْعَشِيِّ وَسَرَّحَهَا بِالْغَدَاةِ تَزَيَّنَتْ عِنْدَ تِلْكَ الْإِرَاحَةِ وَالتَّسْرِيحِ الْأَفْنِيَةُ، وَتَجَاوَبَ فِيهَا الثُّغَاءُ وَالرُّغَاءُ، وَفَرِحَتْ أَرْبَابُهَا وَعَظُمَ وَقْعُهُمْ عِنْدَ النَّاسِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَالِكِينَ لَهَا.

فَإِنْ قِيلَ: لِمَ قُدِّمَتِ الْإِرَاحَةُ عَلَى التَّسْرِيحِ؟

قُلْنَا: لِأَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَكْثَرُ. لِأَنَّهَا تُقْبِلُ مَلْأَى الْبُطُونِ حَافِلَةَ الضُّرُوعِ، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فِي الْحَظَائِرِ حَاضِرَةً لِأَهْلِهَا بِخِلَافِ التَّسْرِيحِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا إِلَى الْمَرْعَى تَخْرُجُ جَائِعَةً عَادِمَةَ اللَّبَنِ ثُمَّ تَأْخُذُ فِي التَّفَرُّقِ وَالِانْتِشَارِ، فَظَهَرَ أَنَّ الْجَمَالَ فِي الْإِرَاحَةِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّسْرِيحِ.

وَالْمَنْفَعَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

المسألة الْأُولَى: الْأَثْقَالُ جَمْعُ ثَقَلٍ وَهُوَ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

يُرِيدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. أَوْ إِلَى الْيَمَنِ. أَوْ إِلَى الشَّامِ. أَوْ إِلَى مِصْرَ. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ كُلُّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ بُلُوغَهُ عَلَى غَيْرِ إِبِلٍ لَشَقَّ عَلَيْكُمْ وَخَصَّ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْبِلَادَ، لَأَنَّ/ مَتَاجِرَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَتْ إِلَى هَذِهِ الْبِلَادِ، وَقُرِئَ: بِشِقِّ الْأَنْفُسِ بِكَسْرِ الشِّينِ وَفَتْحِهَا، وَأَكْثَرُ الْقُرَّاءِ عَلَى كَسْرِ الشِّينِ. وَالشِّقُّ الْمَشَقَّةُ وَالشَّقُّ نِصْفُ الشيء، وحمل اللفظ هاهنا عَلَى كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ جَائِزٌ، فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى المشقة كان المعنى: لم تكونوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى نِصْفِ الشيء كان المعنى: لم تكونوا بَالِغِيهِ إِلَّا عِنْدَ ذَهَابِ النِّصْفِ مِنْ قُوَّتِكُمْ أَوْ مِنْ بَدَنِكُمْ وَيَرْجِعُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إِلَى الْمَشَقَّةِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها الْإِبِلُ فَقَطْ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهَا فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ: وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ وَهَذَا الْوَصْفُ لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالْإِبِلِ.

قُلْنَا: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ تَعْدِيدُ مَنَافِعِ الْأَنْعَامِ فَبَعْضُ تِلْكَ الْمَنَافِعِ حَاصِلَةٌ فِي الْكُلِّ وَبَعْضُهَا مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنَّ قَوْلَهُ: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حَاصِلٌ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِثْلَ حُصُولِهِ فِي الْإِبِلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

المسألة الثَّانِيَةُ: احْتَجَّ مُنْكِرُو كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَالُوا: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ الِانْتِقَالُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ، وَحَمْلِ الْأَثْقَالِ عَلَى الْجِمَالِ وَمُثْبِتُو الْكَرَامَاتِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَوْلِيَاءَ قَدْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ بَعِيدٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَتَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْآيَةِ فَيَكُونُ بَاطِلًا، وَلَمَّا بَطُلَ الْقَوْلُ بِالْكَرَامَاتِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بَطُلَ الْقَوْلُ بِهَا فِي سَائِرِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ.

وَجَوَابُهُ: أَنَّا نُخَصِّصُ عُمُومَ هَذِهِ الْآيَةِ بالأدلة الدالة على وقوع الكرمات. والله أعلم.

[سورة النحل(16): آية 8]

وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت