فهرس الكتاب

الصفحة 3459 من 6230

الْمُرَادَ بِهِ الِاعْتِبَارُ وَالِاعْتِبَارُ لَا يَكُونُ بِنَفْسِ الرُّؤْيَةِ حَتَّى يَكُونَ مَعَهَا نَظَرٌ إِلَى الشَّيْءِ وَتَأَمُّلٌ لِأَحْوَالِهِ، وَقَوْلُهُ: إِلى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي: أَرَادَ مِنْ شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِنْ جَبَلٍ وَشَجَرٍ وَبِنَاءٍ وَجِسْمٍ قَائِمٍ، وَلَفْظُ الْآيَةِ يُشْعِرُ بِهَذَا الْقَيْدِ، لأن قوله: مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ كَثِيفٌ يَقَعُ لَهُ ظِلٌّ عَلَى الأرض. وقوله: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ إِخْبَارٌ عَنْ قَوْلِهِ: شَيْءٍ وَلَيْسَ بِوَصْفٍ لَهُ، وَيَتَفَيَّأُ يَتَفَعَّلُ مِنَ الْفَيْءِ يُقَالُ: فَاءَ الظل يفيء فيئا إذا رجع وعاد بعد ما نَسَخَهُ ضِيَاءُ الشَّمْسِ، وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ، وَمِنْهُ فَيْءُ الْمَوْلَى وَذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْبَقَرَةِ: 226] وَكَذَلِكَ فَيْءُ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَعُودُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَالِ من خالف دينهم، ومنه قوله تعالى: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ [الْحَشْرِ: 6] وَأَصْلُ هَذَا كُلِّهِ مِنَ الرُّجُوعِ.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِذَا عُدِّيَ فَاءَ فَإِنَّهُ يُعَدَّى إِمَّا بِزِيَادَةِ الْهَمْزَةِ أَوْ بِتَضْعِيفِ الْعَيْنِ. أَمَّا التَّعْدِيَةُ بزيادة الهمزة فكقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ وَأَمَّا بِتَضْعِيفِ الْعَيْنِ فَكَقَوْلِهِ فَيَّأَ اللَّهُ الظِّلَّ فَتَفَيَّأَ وَتَفَيَّأَ مُطَاوِعُ فَيَّأَ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ:

تَفَيُّؤُ الظِّلَالِ رُجُوعُهَا بَعْدَ انْتِصَافِ النَّهَارِ، فَالتَّفَيُّؤُ لَا يكون إلا بالعشي بعد ما انْصَرَفَتْ عَنْهُ الشَّمْسُ وَالظِّلُّ مَا يَكُونُ بِالْغَدَاةِ وَهُوَ مَا لَمْ تَنَلْهُ الشَّمْسُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

فَلَا الظِّلُّ مِنْ بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ... وَلَا الْفَيْءُ مِنْ بَرْدِ الْعَشِيِّ تَذُوقُ

قَالَ ثَعْلَبٌ: أُخْبِرْتُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّ رُؤْبَةَ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَزَالَتْ عَنْهُ فَهُوَ فَيْءٌ/ وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ فَهُوَ ظِلٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَإِنَّ أَبَا زَيْدٍ أَنْشَدَ لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ:

فَسَلَامُ الْإِلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ... وَفُيُوءُ الْغُرُوسِ ذَاتُ الظِّلَالِ

فَهَذَا الشِّعْرُ قَدْ أُوقِعَ فِيهِ لَفْظُ الْفَيْءِ عَلَى مَا لَمْ تَنْسَخْهُ الشَّمْسُ، لِأَنَّ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ الظِّلِّ مَا حَصَلَ بَعْدَ أَنْ كَانَ زَائِلًا بِسَبَبِ نُورِ الشَّمْسِ وَتَقُولُ الْعَرَبُ فِي جَمْعِ فَيْءٍ أَفْيَاءٌ وَهِيَ لِلْعَدَدِ الْقَلِيلِ، وَفُيُوءٌ لِلْكَثِيرِ كَالنُّفُوسِ وَالْعُيُونِ، وَقَوْلُهُ: ظِلالُهُ أَضَافَ الظِّلَالَ إِلَى مُفْرَدٍ، وَمَعْنَاهُ الْإِضَافَةُ إِلَى ذَوِي الظِّلَالِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ هَذَا، لِأَنَّ الَّذِي عَادَ إِلَيْهِ الضَّمِيرُ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فِي اللَّفْظِ وَهُوَ قَوْلُهُ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ، إِلَّا أَنَّهُ كَثِيرٌ فِي الْمَعْنَى، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ [الزُّخْرُفِ: 13] فَأَضَافَ الظُّهُورَ وَهُوَ جَمْعٌ، إِلَى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ، لِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى وَاحِدٍ أُرِيدَ بِهِ الْكَثْرَةُ وَهُوَ قَوْلُهُ: مَا تَرْكَبُونَ هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ الْوَاحِدِيِّ وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ. أما قوله: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ فَفِيهِ بَحْثَانِ:

البحث الْأَوَّلُ: فِي الْمُرَادِ بِالْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ قَوْلَانِ:

الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ يَمِينَ الْفَلَكِ هُوَ الْمَشْرِقُ وَشِمَالَهُ هُوَ الْمَغْرِبُ، وَالسَّبَبُ فِي تَخْصِيصِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ بِهَذَيْنِ الْجَانِبَيْنِ أَنَّ أَقْوَى جَانِبَيِ الْإِنْسَانِ يَمِينُهُ، وَمِنْهُ تَظْهَرُ الْحَرَكَةُ الْقَوِيَّةُ، فَلَمَّا كَانَتِ الْحَرَكَةُ الْفَلَكِيَّةُ الْيَوْمِيَّةُ آخِذَةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، لَا جَرَمَ كَانَ الْمَشْرِقُ يَمِينَ الْفَلَكِ وَالْمَغْرِبُ شِمَالَهُ.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: إِنَّ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا إِلَى وَقْتِ انْتِهَائِهَا إِلَى وَسَطِ الْفَلَكِ تَقَعُ الْأَظْلَالُ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، فَإِذَا انْحَدَرَتِ الشَّمْسُ مِنْ وَسَطِ الْفَلَكِ إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ وَقَعَ الْأَظْلَالُ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ تَفَيُّؤِ الظِّلَالِ مِنَ الْيَمِينِ إِلَى الشِّمَالِ وَبِالْعَكْسِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: فَالْأَظْلَالُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ تَبْتَدِئُ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت