فهرس الكتاب

الصفحة 2267 من 6230

غَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ نُورًا وَهُدًى هَذَانِ الْأَمْرَانِ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ الْقُرْآنَ أَيْضًا بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فِي آيَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا.

الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وفيه مسائل:

المسألة الأول: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ يَجْعَلُونَهُ عَلَى لَفْظِ الْغَيْبَةِ، وَكَذَلِكَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ غَائِبُونَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، إِذْ قالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ فَلَمَّا وَرَدَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى لَفْظِ الْمُغَايَبَةِ، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْبَوَاقِي، وَمَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ، فَالتَّقْدِيرُ: قُلْ لَهُمْ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَاءَ عَلَى الْخِطَابِ، فَكَذَلِكَ مَا قَبْلَهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: قَوْلُهُ: يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ أَيْ يَجْعَلُونَهُ ذَاتَ قَرَاطِيسَ. أَيْ يُودِعُونَهُ إِيَّاهَا.

فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ كُلَّ كِتَابٍ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُودَعَ فِي الْقَرَاطِيسِ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي كُلِّ الْكُتُبِ، فَمَا السَّبَبُ، فِي أَنْ حَكَى اللَّه تَعَالَى هَذَا الْمَعْنَى فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُمْ.

قُلْنَا: الذَّمُّ لَمْ يَقَعْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَقَطْ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوهُ قَرَاطِيسَ، وَفَرَّقُوهُ وَبَعَّضُوهُ، لَا جَرَمَ قَدَرُوا عَلَى إِبْدَاءِ الْبَعْضِ، وَإِخْفَاءِ الْبَعْضِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ أَنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابٌ وَصَلَ إِلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَعَرَفَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَفِظُوهُ، وَمِثْلُ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُمْكِنُ إِدْخَالُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَوْ أَرَادَ إِدْخَالَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِي الْقُرْآنِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَكَذَا الْقَوْلُ فِي التَّوْرَاةِ.

قُلْنَا: قَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ التَّحْرِيفِ تَفْسِيرُ آيَاتِ التَّوْرَاةِ بِالْوُجُوهِ الْبَاطِلَةِ الْفَاسِدَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْمُبْطِلُونَ فِي زَمَانِنَا هَذَا بِآيَاتِ الْقُرْآنِ.

فَإِنْ قِيلَ: هَبْ أَنَّهُ حَصَلَ فِي التَّوْرَاةِ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. إِلَّا أَنَّهَا قَلِيلَةٌ، وَالْقَوْمُ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنَ التَّوْرَاةِ إِلَّا تِلْكَ الْآيَاتِ، فَلِمَ قَالَ: وَيُخْفُونَ كَثِيرًا.

قُلْنَا: الْقَوْمُ كَمَا يُخْفُونَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَكَذَلِكَ يُخْفُونَ الْآيَاتِ الْمُشْتَمِلَةَ عَلَى الْأَحْكَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ حَاوَلُوا عَلَى إِخْفَاءِ الْآيَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ.

الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ: قوله: وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ وَالْمُرَادُ أَنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى الْبِشَارَةِ بِمَقْدَمِ مُحَمَّدٍ وَالْيَهُودُ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم كانوا يقرؤن تِلْكَ الْآيَاتِ وَمَا كَانُوا يَفْهَمُونَ مَعَانِيَهَا، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تِلْكَ الْآيَاتِ هُوَ مَبْعَثُهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ.

وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا وَصَفَ التَّوْرَاةَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ، قَالَ: قُلِ اللَّهُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي أَوَّلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت