فهرس الكتاب

الصفحة 1989 من 6230

هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ، وَأَنَّهُمْ أَرَادُوا إِيقَاعَ الشَّرِّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ أَتْبَعَهُ بِذِكْرِ فَضَائِحِهِمْ وَبَيَانِ أَنَّهُمْ أَبَدًا كَانُوا مُوَاظِبِينَ عَلَى نَقْضِ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، الثَّالِثُ: أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَرْغِيبُ الْمُكَلَّفِينَ فِي قَبُولِ التَّكَالِيفِ وَتَرْكِ التَّمَرُّدِ وَالْعِصْيَانِ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ كَلَّفَ مَنْ كَانَ قَبْلَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَلَّفَهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ عَادَةَ اللَّه فِي التَّكْلِيفِ وَالْإِلْزَامِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، بَلْ هِيَ عَادَةٌ جَارِيَةٌ لَهُ مَعَ جَمِيعِ عِبَادِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ الزَّجَّاجُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ أَصْلُهُ مِنَ النَّقْبِ وَهُوَ الثُّقْبُ الْوَاسِعُ، يُقَالُ فُلَانٌ نَقِيبُ الْقَوْمِ لِأَنَّهُ يَنْقُبُ عَنْ أَحْوَالِهِمْ كَمَا يَنْقُبُ عَنِ الْأَسْرَارِ وَمِنْهُ الْمَنَاقِبُ وَهِيَ الْفَضَائِلُ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ إِلَّا بِالتَّنْقِيبِ عَنْهَا، وَنَقَبْتُ الْحَائِطَ أَيْ بَلَغْتُ في النقب إلى آخره، ومنه النقبة من الجرب لأنه داء شديد الدخول، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيعجد طعم القطران في لحمه، والنقبة السَّرَاوِيلُ بِغَيْرِ رِجْلَيْنِ لِأَنَّهُ قَدْ بُولِغَ فِي فَتْحِهَا وَنَقْبِهَا، وَيُقَالُ:

كَلْبٌ نَقِيبٌ، وَهُوَ أَنْ يَنْقُبَ حَنْجَرَتَهُ لِئَلَّا يَرْتَفِعَ صَوْتُ نُبَاحِهِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْبُخَلَاءُ مِنَ الْعَرَبِ لِئَلَّا يَطْرُقَهُمْ ضَيْفٌ.

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: النَّقِيبُ فَعِيلٌ، وَالْفَعِيلُ يَحْتَمِلُ الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ، فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهُوَ النَّاقِبُ عَنْ أَحْوَالِ الْقَوْمِ الْمُفَتِّشُ عنها، وقال أبو مسلم: النقيب هاهنا فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ يَعْنِي اخْتَارَهُمْ عَلَى عِلْمٍ بِهِمْ، وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ يُقَالُ لِلْمَضْرُوبِ: ضَرِيبٌ، وَلِلْمَقْتُولِ قَتِيلٌ. وَقَالَ الْأَصَمُّ: هُمُ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِمْ وَالْمُسْنَدُ إِلَيْهِمْ أُمُورُ الْقَوْمِ وَتَدْبِيرُ مَصَالِحِهِمْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا. فَاخْتَارَ اللَّه تَعَالَى مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا يَكُونُ نَقِيبًا لَهُمْ وَحَاكِمًا فِيهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالسُّدِّيُّ: أَنَّ النُّقَبَاءَ بُعِثُوا إِلَى مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْقِتَالِ مَعَهُمْ لِيَقِفُوا عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَيَرْجِعُوا بِذَلِكَ إِلَى نَبِيِّهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَيْهِمْ رَأَوْا أَجْرَامًا عَظِيمَةً وَقُوَّةً وَشَوْكَةً فَهَابُوا وَرَجَعُوا فحدثوا قَوْمُهُمْ، وَقَدْ نَهَاهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يُحَدِّثُوهُمْ، فَنَكَثُوا الْمِيثَاقَ إِلَّا كَالِبَ بْنَ يُوفِنَا مَنْ سِبْطِ يَهُوذَا، وَيُوشَعَ بْنَ نُونٍ مِنْ سِبْطِ إِفْرَاثِيمَ بْنِ يُوسُفَ، وَهُمَا اللَّذَانِ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمَا قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ [المائدة: 23] الآية.

قَوْلُهُ تَعَالَى: وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَفِيهِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي الْآيَةِ حَذْفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَقَالَ اللَّه لَهُمْ إِنِّي مَعَكُمْ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ ذَلِكَ لِاتِّصَالِ الْكَلَامِ بِذِكْرِهِمْ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ إِنِّي مَعَكُمْ خِطَابٌ لِمَنْ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ خِطَابٌ لِلنُّقَبَاءِ، أَيْ وَقَالَ اللَّه لِلنُّقَبَاءِ إِنِّي مَعَكُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ خِطَابٌ لِكُلِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى. لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَكُونُ عَائِدًا إِلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَاتِ، وَأَقْرَبُ الْمَذْكُورِ هُنَا النُّقَبَاءُ واللَّه أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ وَالْمَعْنَى إِنِّي مَعَكُمْ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَأَسْمَعُ كَلَامَكُمْ وَأَرَى أَفْعَالَكُمْ وَأَعْلَمُ ضَمَائِرَكُمْ وَأَقْدِرُ عَلَى إِيصَالِ الْجَزَاءِ إِلَيْكُمْ، فَقَوْلُهُ إِنِّي مَعَكُمْ مُقَدِّمَةٌ مُعْتَبَرَةٌ جِدًّا فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، ثُمَّ لَمَّا وَضَعَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ الْكُلِّيَّةَ ذَكَرَ بَعْدَهَا جُمْلَةً شَرْطِيَّةً،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت