فهرس الكتاب

الصفحة 1374 من 6230

تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ [الْمُلْكِ: 2] وَحُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي مُنَاظَرَتِهِ مَعَ الْمَلِكِ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ [الْبَقَرَةِ: 258] فَلَوْ حَصَلَ لِغَيْرِهِ، هَذِهِ الصِّفَةُ لَبَطَلَ ذَلِكَ الِاسْتِدْلَالُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْقُرْآنُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنْ نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَرْيَمَ وَجِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُوحٌ مَحْضٌ وَرُوحَانِيٌّ مَحْضٌ فَلَا جَرَمَ كَانَتْ نَفْخَةُ عِيسَى/ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَيَاةِ وَالرُّوحِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ مَعْنَاهُ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَخْلِيقِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [آلِ عِمْرَانَ: 154] أَيْ إِلَّا بِأَنْ يُوجِدَ اللَّهُ الْمَوْتَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْقَيْدَ إِزَالَةً لِلشُّبْهَةِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى أَنِّي أَعْمَلُ هَذَا التَّصْوِيرَ، فَأَمَّا خَلْقُ الْحَيَاةِ فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ إِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى يَدِ الرُّسُلِ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي والثالث والرابع من المعجزات فهو قوله: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.

ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ إِلَى أَنَّ الْأَكْمَهَ هُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، وَقَالَ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ هُوَ الَّذِي عَمِيَ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَصِيرًا، وَعَنْ مُجَاهِدٍ هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَكْمَهُ غَيْرَ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ السَّدُوسَيِّ صَاحِبِ «التَّفْسِيرِ» ،

وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رُبَّمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَرْضَى مَنْ أَطَاقَ مِنْهُمْ أَتَاهُ، وَمَنْ لَمْ يُطِقْ أَتَاهُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَتْ مُدَاوَاتُهُ إِلَّا بِالدُّعَاءِ وَحْدَهُ،

قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُحْيِي الْأَمْوَاتَ بِيَا حي يا قيوم وأحيا عاذر، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، وَدَعَا سَامَ بْنَ نُوحٍ مِنْ قَبْرِهِ، فَخَرَجَ حَيًّا، وَمَرَّ عَلَى ابْنٍ مَيِّتٍ لِعَجُوزٍ فَدَعَا اللَّهَ، فَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ حَيًّا، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَوُلِدَ لَهُ، وَقَوْلُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ مَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ الإلهية.

وأما النوع الخامس مِنَ الْمُعْجِزَاتِ إِخْبَارُهُ عَنِ الْغُيُوبِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْهُ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ يُخْبِرُ عَنِ الْغُيُوبِ، رَوَى السُّدِّيُّ: أَنَّهُ كَانَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ بِأَفْعَالِ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، وَكَانَ يُخْبِرُ الصَّبِيَّ بِأَنَّ أُمَّكَ قَدْ خَبَأَتْ لَكَ كَذَا فَيَرْجِعُ الصَّبِيُّ إِلَى أَهْلِهِ وَيَبْكِي إِلَى أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ثُمَّ قَالُوا لِصِبْيَانِهِمْ: لَا تَلْعَبُوا مَعَ هَذَا السَّاحِرِ، وَجَمَعُوهُمْ فِي بَيْتٍ، فَجَاءَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْلُبُهُمْ، / فَقَالُوا لَهُ، لَيْسُوا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: فَمَنْ فِي هَذَا الْبَيْتِ، قَالُوا: خَنَازِيرُ قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَذَلِكَ يَكُونُونَ فَإِذَا هُمْ خَنَازِيرُ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّ الْإِخْبَارَ عَنِ الْغُيُوبِ إِنَّمَا ظَهَرَ وَقْتَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْمَ نُهُوا عَنِ الِادِّخَارِ، فَكَانُوا يُخَزِّنُونَ وَيَدَّخِرُونَ، فَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُخْبِرُهُمْ بِذَلِكَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِخْبَارُ عَنِ الْغُيُوبِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُعْجِزَةٌ، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لَا يُمْكِنُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ سُؤَالٍ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ يَسْتَعِينُونَ عِنْدَ ذَلِكَ بِآلَةٍ وَيَتَوَصَّلُونَ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ الْكَوَاكِبِ، ثُمَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت