يقول الله عزَّ وجلَّ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} .
وقبل ذلك الوعد من الله بالتمكين في الأرض: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} .
فلو آمنا واتقينا الله والتزمنا بشريعته وحكَّمنا كتابه, فستمطر علينا السمآء ماءً مباركًا, ينبت الزرع ويملأ الأنهار والعيون بماءٍ عذبٍ زلالٍ, يسقي الإنسان والحيوان وسائر الكائنات الحية.
وستُخْرِجُ الأرض كنوزها من بترول وغاز طبيعي ومعادن وما الله به عليم.
وسيزول عنا الفقر والقحط والجفاف, وما نجم عنهم من آفات وحشرات وأمراض.
وسيعود للإسلام مجده ويمكَّن للمخلصين في الأرض, وتكون كلمة الله هي العليا, بعد زوال الكفر واندحاره.
وفي المقابل؛ إن سرنا وراء أهوائنا وشهواتنا, واتَّبعنا المغضوب عليهم من اليهود, والضآلين من النصارى, وطبقنا شرعية الشيطان وتركنا شرعة الرحمن فالمعيشة الضنك في الدنيا, والخسران المبين في الآخرة - عياذًا بالله -
فهل نضحي بما وعدنا به ربنا سبحانه وتعالى - وهو الحق - ونستمرئ الذل والهوان والصغار والفقر والحرمان, من أجل إرضاء أمريكا وبريطانيا ودول الكفر فنبيع دنيانا وآخرتنا بدنيا غيرنا؟!
وهل المساعدات الأمريكية أو البريطانية التي تأتينا تزيد عمَّا وعدنا به ربنا, أو تعادله حتى نضحي بما عند الله ونرضى بما عند أمريكا؟!
وبمناسبة الحديث عن المساعدات الأمريكية نقول: ما أهون ما تدفعه أمريكا لحكوماتنا من أموال نجسة ملوثة بدماء المسلمين والمستضعفين, وما أعظم ما تحصل عليه من إذلال شعوبٍ منهم بكاملها؟!
إن المساعدات الأمريكية التى تقدم لأي دولة من الدول الإسلامية - مهما تعاظمت - إذا قيست بالنسبة لعدد سكان هذا البلد فلن يصل نصيب الفرد الواحد منها أكثر من دولارين أو ثلاث دولارات في السنة - هذا لو وزعت نقدًا -
ولكن تلك المساعدات لا تسلم نقدًا؛ بل هي مخزون فائض للإنتاج الأمريكي يريدون التخلص منه, خاصة الأسلحة المتخلفة التي عفى عليها الزمان, ومشروعات خدماتية تستهلك الجزء الأكبر من تلك المساعدات على شكل مصاريف إدارية وبرامج تدريبية للموظفين المحليين مع مايلزم من أجهزة ووسائل نقل أمريكية, ومصاريف انتقال ورواتب ومكافآت للخبراء الأمريكان الذين يتولون التدريب, وبعثات محلية إلى أمريكا للتدريب على برامج قديمة ودعائية لا أكثر.
فنجد أن المتبقي ليقدم للشعب فعليًا لا يتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات, المفروض أن توزع على عشرات الملايين من البشر فكم يكون نصيب الفرد الواحد؟!
وكلنا يعلم أن الحكومة الأمريكية تعد ولا تفي بوعودها, وذلك لأن اليهود هم الذين يحكمونها والقرآن الكريم وصفهم لنا بما فيه الكفاية, وقد وعدوا باكستان بأربعمائة مليون دولار كمساعدة عاجلة نصفها سيخصص لسداد فوائد الديون التي عليها - وليس أصل الدين كما يتوهم البعض - والباقي سيتم صرفه كما أسلفناه.
ولكن أين ثمن الانحياز التام والانبطاح الكامل والاستسلام الذي لا حد له للأمريكان, وفتح المجالات الجوية والبرية والبحرية في معظم الدول - التى يدَّعي قادتها الإسلام - للقوات الأمريكية تستخدمها متى وكيف شاءت؟
وأين المساعدات الضخمة التى وعد المسؤولون الأمريكان بها قادة تلك الدول حتى يُوَقِّعوا على وثائق الاستسلام وبيع حقوق المسلمين في البوسنة والهرسك وباكستان وأفغانستان ومصر وفلسطين والسودان وغيرها؟!
هذه قصة أخرى ليس هذا مجالها.
وهنا يحق لنا أن نتساءل؛ إلى متى سنظل نربي أبناءنا وأجيالنا على أن"من لطم خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر"، سواءٌ كان اللاطم مسلمًا أم غير مسلم, طاهرًا أم فاجرًا, بحقٍّ أم بدون حق؟!
ومتى سنعلمهم: {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} ، وأنَّ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ؟
وإلى متى سنظل ننظر لمن يسرق أقواتنا ويمنعنا حقوقنا ويتركنا نموت جوعًا, ويخطف أبناءنا ونساءنا, وهو يتمتع بخيراتنا وأرزاقنا؛ فلا ندرك مرتبة الحيوان الذي يكشِّر عن أنيابه إذا أحس بالخطر, أو الدجاجة التي تهاجم كل من يقترب من أفراخها, أو حتى الحمامة الوديعة - رمز السلام - التي تضرب بجناحها كل من يقترب من عشها وهي راقدة على البيض دفاعًا عنه؟!
إن صيانة الضرورات الإنسانية التي اتفقت الشرائع السماوية على حفظها؛ إذ بها قيام الدنيا والآخرة وفي ضياعها ضياعهما - وهي؛ الدين والنفس والعقل والمال والعرض - لكل مسلم واجبٌ على الأمة مجتمعة، فإن لم يستطع فرد من الأفراد أو دولة من الدول أن تصون هذه الضرورات؛ إما لضعفٍ منهم، أو خذلان وتفاعس وجب على الأفراد الآخرين والدول الأخرى المجاورة لهم نصرتهم والدفاع عنهم، فإن لم يستطيعوا تتسع الدائرة لمن حولهم حتى تشمل كل مسلم وكل دولة، ولاشك أن نصرهم لا يتأتى إلا بالقوة - أي بالجهاد -
وإرهاب العدو حتى لا يجرؤ على الاعتداء على أراضي المسلمين وأرواحهم ومساجدهم وممتلكاتهم يحتاج للجهاد.
ودفع العدو الصائل الذي يفسد ديننا ودنيانا في الداخل وله شوكة يحتاج للجهاد.
والقضاء على البدع والمنكرات والمذاهب والمعتقدات الشاذة والمنحلَّة ذات الشوكة يحتاج للجهاد.
ونصرة إخواننا المستضعفين والمضطهدين في البلدان الأخرى يحتاج للجهاد.
ورفع الحواجز التي تحول بين وصول الدعوة الإسلامية بصورتها النقية إلى جميع أنحاء المعمورة، فمن شاء آمن وأمِنَ على نفسه وحرماته حتى لو لم يهاجر إلى بلاد المسلمين، ومن شاء من أهل الكتاب بقي على دينه ودفع الجزية للمسلمين إن كان يعيش تحت حمايتهم ... ذلك يحتاج أيضًا للجهاد.
ولكن لأننا تركنا الجهاد وإعداد القوة فقد انحدرنا إلى قعر الحضارة الحديثة، وتداعت علينا جميع الأمم من كل حدب وصوب وملة وديانة تقتيلًا وأسرًا وانتهاكًا للحرمات، وانطبق علينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما ترك قوم الجهاد إلا ذَلُّوا) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع واتبعتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلَّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) - أي إلى الجهاد -
بل إن ترك الجهاد الآن وقد صار فرض عين على كل مسلم ومسلمة - إما بنفسه، أو بماله، أو بقلمه، أو بقلبه، أو بالنصح، أو بتكثير السواد، أو بكل ذلك جميعًا - تركه يؤدي إلى فساد الدين والدنيا، كما نراه الآن في كل بلاد المسلمين!
ولعمر الله إن لم يكن الجهاد الآن فرض عين وقد دخل العدو بيوتنا وحجرات نومنا، وانتهك حرماتنا وأعراضنا، إن لم يكن فرض عين فمتى سيكون؟!
فهل هناك بلد للمسلمين إلا وهو يئن بجراحاته بيد عملاء الداخل أو العدو الخارجي؟!
ووصل الأمر إلى تدخل الكفار في جميع شئون حياتنا حتى مناهجنا الدراسية وبرامجنا الثقافية، بل ودعوتنا الإسلامية ذاتها؛ ما الذي يسمح بتلقينه لطلاب العلم والمسلمين من الآيات والأحاديث وأبواب الفقه، وما لا يسمح به! ومن هم العلماء والخطباء الذين يسمح لهم بممارسة ذلك، ومن الذي يحتاج إلى إعادة التأهيل وغسل الأفكار المعادية للغرب من رأسه؟!
وذلك بناءً على التصنيف الجديد الذي صاغه عدو الله رئيس أمريكا؛"الذي ليس معنا فهو علينا"، أي معادٍ للإنسانية والعالم المتحضر والقيم الديمقراطية!
يقول صلى الله عليه وسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدِّث نفسه بالغزو مات على شعبةٍ من نفاق) .
ويقول صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) .
فكثير من الناس يفهمون قضية النية في الغزو فهمًا خاطئًا، بحيث تكون مثل الخاطرة التي تمر على باله أو ذاكرته ثم تذهب دون أن ترتبط بأي نوع من العمل، وأنه إن سأل الله الشهادة بصدق وهو قاعد لم يتخذ أي خطوة عملية لإثبات صدقه فسوف يبلِّغه الله منازل الشهداء.
إن النية الصادقة يعقبها العمل والسعي للتطبيق، حيث يقول الله تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} .
فإن حال حائل قدري بين الإنسان والقيام بذلك العمل فقد أعذر إلى الله وأدى ما عليه، وسيؤجر على نيته، كما قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} .
فعلامة صدق النية في الغزو والجهاد سلوك طريق هجرة ما نهى الله عنه، والتدريب العسكري استعدادًا للانطلاق في أي لحظة لخوض غمار المعارك.
-قد يقول قائل: (إن هذا الحل الذي تطرحه بديلًا للديمقراطية يخالف رأي غالبية المسلمين, وخاصة التنظيمات الإسلامية التي توصف بالاعتدال والوسطية وتقبل بالحلول السلمية التفاوضية مع الحكومات؛ ولا يصمد في وجه التيار الجارف من الإعلام الرسمي والدولي المعادي) !
فأقول: إن الله خلقنا أحرارًا, وأعطانا العقول لنفكر, والألسنة لننطق ونعبِّر, ولا نقبل سياسة تكميم الأفواه, أو الاستسلام للأمر الواقع من القبول بضعف المسلمين, وقلة عتادهم وخبراتهم, وعدم قدرتهم لذلك على منازلة عدوهم, بعد أن غيَّر تسعة عشر مجاهدًا التاريخ المعاصر, وحددوا تاريخًا جديدًا للبشرية, وبعد أن صمد أبطال الفلوجة وغيرها في وجه أعتى قوى البغي والعدوان حتى اضطروها للانسحاب صاغرة تجر أذيال الخيبة والندامة في كل مرة.
يقول سيد قطب رحمه الله:(لابد لنا من التخلص من ضغط المجتمع الجاهلى والتصورات الجاهلية والتقاليد الجاهلية والقيادة الجاهلية ... في خاصة نفوسنا ... ليست مهمتنا أن نصطلح مع واقع المجتمع الجاهلي ولا أن ندين بالولاء له, فهو بهذه الصفة ... صفة الجاهلية ... غير قابل لأن نصطلح معه.
إن مهمتنا الأولى هي تغيير واقع المجتمع الجاهلي من أساسه, هذا الواقع الذي يصطدم اصطدامًا أساسيًا بالمنهج الإسلامي, والذي يحرمنا بالقهر والضغط أن نعيش كما يريد لنا المنهج الإلهي أن نعيش.
إن أولى الخطوات في طريقنا هي أن نستعلي على هذا المجتمع الجاهلي وقيمه وتصوراته, وألا نعدِّل نحن قيمنا وتصوراتنا قليلًا أو كثيرًا لنلتقي معه في منتصف الطريق. كلا! إننا وإياه على مفترق الطريق, وحين نسايره خطوة واحدة فإننا نفقد المنهج كله ونفقد الطريق.
وسنلقى في ذلك عنتًا ومشقةً, وستفرض علينا تضحيات باهظة, ولكننا لسنا مخيرين إذا نحن شئنا أن نسلك طريق الجيل الأول الذي أقر الله به منهجه الإلهي, ونصره على منهج الجاهلية)انتهى بتصرف [11] .
ونحن على يقين أنه لابد بعد هذا الليل البهيم من فجر, ولهذا الواقع الأليم من انكسار وبتر، وأنه لزامٌ علينا السير على هذا الطريق مهما قل سالكوه, والصدع بكلمة الحق ولو كره المكابرون والمعاندون.
ويكفي أننا صرنا نَضْرِبُ ونُضْرَبُ بعد أن كنا المضروبين الوحيدين على كل حال, والفارق الكبير بيننا وبينهم أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار, وأننا نألم ولكن نجد حلاوةً واستعذابًا في ذلك الألم, لأن لنا الأجر والثواب على كل حال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .
في حين يألم أعداؤنا ويزدادون حسرة وندامة فوق الألم, لأنهم كانوا يظنون أنهم سيظلون في مأمن من وصول الأذى والألم إليهم, وأن الأموال التي أنفقوها ستغني عنهم شيئًا, فقد قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} .
وبعد أن كنا لا نسمع إلا أخبار المذابح التي تجري للمسلمين في البوسنة والهرسك, والشيشان وأفغانستان وكشمير وفلسطين وغيرها, أو الهجوم على أركان الإسلام وقواعده ومحاولة هدم صروحه من قبل المرتزقة والمرتدين ومدعي الفن, فصرنا الآن نتلهف لسماع الأخبار كل ليلة لمعرفة حصاد اليوم من القتلى والجرحى والخسائر المادية الجسيمة التي يتكبدها الأمريكان والروس واليهود والهندوس وبقية عتاة المجرمين.
إن العقبة الكأداء في مسيرة الأمة الإسلامية للرجوع إلى دينها تكمن في افتقاد القيادة الرَّبانية التي تتقدم الصفوف وتعطي النموذج العملى للأمة في التضحية بالنفس والمال والوظيفة وكل متاع الدنيا، وتنفر لتفقه في دين الله، خفافًا وثقالًا، وتعايش آيات الجهاد والرباط واقعيًا وليس كتابيًا، وتغبِّر الأقدام وتستنشق الغبار في سبيل الله، ولا تخشى في الله لومة لائم، ولا تأبه بالدعايات الصليبية المغرضة، ليقتدي بها الشباب والرجال وعامة الأمة.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} .
نريد أن نرى العلماء في ميادين التدريب البدني والعسكري والخطوط الأولى، يثبِّتون المجاهدين بأقوالهم وأفعالهم، ويتقدمون الجماهير في مسيرتها لمواجهة الأنظمة الطاغوتية التي تتحكم في رقاب المسلمين، وتعبِّدهم لله مهما كانت العواقب، لأن ذلك فقط هو دليل الصدق ومفتاح النصر.
بل إن الجهاد والصدع بكلمة الحق علامة الإيمان فمن تركه كان دليلًا على خلو قلبه من الإيمان، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من نبيِ بعثه الله في أمةٍ قبلي إلا كان من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثمَّ إنها تخلف من بعدهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمنٌ، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمنٌ، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) [رواه مسلم] .
فانفروا عباد الله خفافًا وثقالًا كما أمركم الله تفلحوا، (واعلموا أن الجنَّة تحت ظلال السيوف) [متفق عليه] .
ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد ...
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[11] معالم في الطريق: ص 16.