فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 104

إننا نرفض الديمقراطية شكلًا ومضمونًا ليس لأسباب تتعلق بالعقيدة التي ندين بها, ولا الحكم الشرعي فيها فقط, ولا لما ذكرناه سابقًا, ولكن لغيرها من الأسباب وهي كثيرة نذكر منها:

-أن الديمقراطية جاءت لسد الفراغ الهائل الذي حدث في أوروبا ودول الغرب بعد القضاء على الامبراطوريات والملكيات في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا والبرتغال وغيرها, وحدوث فراغ سياسي كبير, وكذلك القضاء على سلطة الكنيسة ورجال الدين النصارى, حيث كان الملك أو الامبراطور هو الذي يعيِّن الوزراء والمساعدين والولاة والمستشارين وقادة الجيوش ... إلخ.

فأصبح لزامًا بعد زوال هذا النظام أن يقوم الشعب بنفسه عن طريق ممثليه باختيار من يشغل كل هذه المناصب, بدءًا من الرئيس وحتى عضو المجلس النيابي أو البلدي, فكان لابد لهم من تشكيل الأحزاب السياسية ومن ثم اختراع النظام الديمقراطي.

-"فالديمقراطية ظهرت في أوروبا كنظام حاكم - إثر الثورة الفرنسية - نتيجة للظلم الكنسي، والإرهاب الفكري والجسدي الذي مارسته الكنيسة - بمقتضى اختصاصها بالحق الإلهي المقدس المزعوم - بحق الشعب، وبخاصة منهم العلماء والمفكرين الذين خالفوا الكنيسة في كثير من المسائل العلمية، حيث كانت لهم الاجتهادات والتفسيرات لبعض الظواهر العلمية التي تعارض وتغاير ما كانت عليه الكنيسة، وهذا أمر لم تكن الكنيسة - يومذاك - أن تتحمله أو تُطيقه، فحملهم ذلك على تصفية وتعذيب كل مخالف للكنيسة وتعاليمها؛ ومحاكم التفتيش وما كان يجري فيها من مجازر وقتل وتعذيب وحشي، وأحكام صورية ترعاها الكنيسة وتقوم عليها، ليست أخبارها عن المسامع ببعيدة ..."

في هذه الأجواء ظهرت الديمقراطية الحديثة، فجاءت ناقمة على تعاليم الكنيسة وكل شيء اسمه دين، ووقفت الموقف المغالي والمغاير لتعاليم الكنيسة، وما كانت تفرضه الكنيسة على العباد باسم الله، حيث كانت تزعم لنفسها الحق في التكلم نيابة عن الله، وهذا ليس لأحدٍ سواها!

فعملت الديمقراطية على نزع سلطة السيادة عن باباوات الكنيسة لتجعلها حقًا خالصًا لباباوات المجالس النيابية بزعم تقرير مبدأ سيادة الأمة والشعب، ففرت من سيادة مخلوق إلى سيادة مخلوق آخر، ومن ألوهية مخلوق إلى ألوهية مخلوق آخر؛ لكن في المرة الثانية جاءت ألوهية هذا المخلوق - بعيدًا عن الكنيسة والدين - باسم الشعب والأمة كما زعموا!

فكانت الديمقراطية بذلك أول من تبنى عمليًا مبدأ فصل الدين عن الدولة وعن الحكم والحياة، ورفعت الشعار المعروف: دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) [8] .

ونحن نعجب ولعلكم تعجبون معنا! كيف سارت البشرية هذه القرون الطويلة والأعمار المديدة منذ آدم عليه السلام إلى عهد قريب بدون"الديمقراطية"؟!

وكيف حققت البشرية قبل تطبيق النظام الديمقراطي - خاصة في زمن الخلافة الإسلامية - من التقدم الحضاري والمدني والمعماري, وخلَّفت من التراث الثقافي والاجتماعي والفني ما تعجز عن تحقيق معشاره أعتى الديمقراطيات الحالية؟

كيف تم كل ذلك بدون الديمقراطية, وما هي الضرورة لفرضها على الشعوب المسلمة إذن؟!

-إنَّ أساس الحكم في الإسلام أن يوِّحد لا أن يفرِّق، يجمع الأمة تحت قيادة واحدة وراية واحدة، فمن ارتضته الأمة لقيادتها ووضعت فيه ثقتها, من حقه وقد حمل تلك الأمانة الثقيلة أن يختار مساعديه ونوابه ووزراءه وولاته, بالاستعانة بمستشاريه وخاصته وأهل الحل والعقد, وأن يجد الدعم الكامل من جميع أفراد وطبقات الشعب, لا أن تفرض عليه الحكومة فرضًا ومجلس شوراه قسرًا, ثم بعد ذلك يعتبر هو المسؤول أمام الله ثم الأمة!

وتطبيق الديمقراطية يزيد الأمة تفرقًا وتشتتًا، ففوق تفرقها الدولي واللغوي والعرقي والطائفي والقبائلي, جاءت الديمقراطية لتقسِّّم الناس إلى شيع وأحزاب"رسميين"يتقاتلون فيما بينهم من أجل الكراسي وعضوية المجالس النيابية.

والله ينهى عن التفرق ويحذِّر من عاقبته الوخيمة في قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، ويقول تعالى: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} .

ولنا تجربة حية في أفغانستان زمن الاجتياح السوفيتي لأراضيها, عندما أجبرت الولايات المتحدة المهاجرين الأفغان إلى باكستان - وهم بالملايين - على الانتماء لأحد الأحزاب الرئيسة السبعة التى تم تشكيلها, وعلى رأس كل منها أحد القادة المجاهدين أو العلماء, وربطت استلام المساعدات والإقامة في المخيمات بتلك العضوية, ولعبت دورًا خطيرًا في زيادة تجزئة الشعب وإدخال عنصر جديد للتناحر والاقتتال, ما بين: حزب وجمعية واتحاد وحركة ... إلخ, ولا زالت أفغانستان تدفع ثمنه إلى الآن, وبعد أن كانت تعاني التقسيم العرقي فقط, أصبحت تعاني من الأمرين معًا.

ونفس الشئ يحدث الآن في العراق من قيام قوات الاحتلال بإثارة النعرة الطائفية التي كانت ميتة على الساحة الداخلية, وهو أمر يهدد بزيادة عوامل التفرق في داخل المجتمع واحتمال قيام حرب أهلية ما بين السُّنة - الذين يتحملون أعباء المقاومة ضد القوات المحتلة وصاروا أقلية مستضعفة يستولي الشيعة على مساجدهم ويقتلون أئمتهم - والشيعة الذين يزعمون أنهم يمثلون أكثر من ثلثي الشعب العراقي ويريدون أن يلتهموا الغنيمة باردة.

وبين الأكراد الذين يطالبون بمدينة"كركوك"الغنية بالبترول لتكون عاصمة لهم, ويعدهم الأمريكان بمنحهم 6 محافظات كاملة, في إطار ما يسمى بـ"الفيدرالية"، والتركمان الذين تدعمهم تركيا بحكم الاشتراك في عرق واحد.

-ثم إن الأصل في المؤمنين هو قيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتعاون على البر والتقوى، لذلك لا يوجد شيء اسمه حكومة مقابل معارضة دائمة منظمة! فالحاكم أو الحكومة إنْ أحسنوا وجب على الجميع أن يكونوا معهم يدًا واحدةً, وأن يعينوهم ما استطاعوا.

وإن أساءوا وجب النُّصح والتقويم على حسب التدرج الذي بَيَّنته الشريعة الغرّاء وسيرة الخلفاء الراشدين, والأئمة الفقهاء المخلصين, حتى لو وصل الأمر إلى حد تقويم ذلك الاعوجاج بالسيف.

-وكما ذكرنا فإن الديمقراطية الصورية التي تطبق في بلاد المسلمين تعطي الحاكم"الشرعية"في أن يفرض ظلمه وطغيانه باسم القانون والدستور ودولة المؤسسات, وتتحمل الحكومة الوزر دائمًا وتتم إقالتها وحل البرلمان كلما أصابت الأمة نكبة من النكبات أو مصيبة من المصائب, والحاكم آمن في قصره يداعب مساعداته أو حيواناته الأليفة التي يقتنيها, وقد يلجأ إلى التخلص من أقرب معاونيه ومستشاريه, لأن الكرسي لا يتسع إلا لشخص واحد, وطبقًا للقاعدة:"إنَّ الرئيس دائمًا يضحي بجنوده بدلًا من أن يضحي بنفسه".

وإن أنس فلن أنس صورة الدكتور يوسف والي الأمين العام السابق للحزب الحاكم في مصر، الذي ظل يشغل المنصب لأكثر من عشرين عامًا, ثم يقف على شاشات التلفاز ليقول بكل ذلِّة وانكسار: (نحن جميعًا مثل السكرتارية عند سيادة الرئيس, الذي يقوله ننفذه) , وذلك تعليقًا على الأنباء التي ترددت عن إقالته من منصبه بعد ذلك العمر الطويل من الخدمة المتفانية.

وكما أن ضحايا التغييرات الوزارية غالبًا ما يكونون سيئين ويستحقون التغيير بل المحاكمة, فإنَّ كثيرًا ما تحرم الأمة من جهود علماء أكفاء ووزراء موفقين خرجوا نتيجة حل المجالس النيابية بقرار من الرئيس في الوقت الذي تخلت الحكومة فيه عن دعمهم في الحملة الانتخابية وانقلبت عليهم, وهناك كفاءات لن تدخل الحكومة أبدًا؛ إما لاستقلاليتها, أو لانتمائها للمعارضة, والخاسر هو الأمة!

كما أن دائرة السرقة والنهب والاختلاس والاستيلاء على المال العام تتسع, لأن كل عضو في المجالس النيابية أو الوزارة يأتي بطاقم جديد يدين له بالولاء والطاعة ومرتبط به, والجميع في سباق مع الزمن لتأمين مستقبل أولادهم وأحفادهم خلال أشهر معدودة تضاف بعدها إلى ألقابهم كلمة"سابق"- أي وزير سابق, نائب سابق, ... إلخ -

خاصة إن كان هذا النائب أو الوزير أو غيرهما فقيرًا أو وضيعًا فإنه"يُفْسِدُ بذلك الدين والدنيا, فإنه إذا كان رأس الناس من كان فقيرًا عائلًا فصار ملكًا على الناس, سواء كان ملكه عامًا أو خاصًا, فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم, بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال."

فقد قال بعض السلف: (لأن تمد يدك إلى تنين فيقضمها خير لك من أن تمدها إلى يد غني قد عالج الفقر) .

وإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين, لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم, بل همته في جباية المال واكتنازه ولا يبالي بما فسد من دين الناس, ولا بمن أضاع من أهل حاجتهم) [9] .

-ولا للديمقراطية؛ لأنها تعطى الحصانة البرلمانية لكثير من المجرمين الذين ثبتت عليهم التهم ولكن لا يستطيع أحد محاكمتهم لأن ثلثي أعضاء المجلس على الأقل لم يصوتوا لصالح رفع الحصانة البرلمانية عنهم, وحتى لو رفعت عنهم الحصانة - لأسباب في بطن الحاكم - فإنهم لا يُعامَلون معاملة بقية المتهمين, وإنما تحدد إقامتهم في مستشفى مكيف الهواء أو ما شابه, ويسمح لهم بالخروج لأي أسباب عائلية أو سياسية أو بدعوى الحالة الصحية أو بمقايضة سياسية.

كما حدث مع آصف على زرداري - زوج رئيسة وزراء باكستان السابقة بينظير بوتو - ومعلوم أن وزير الداخلية الباكستاني الحالي آفتاب أحمد شيرباو كان في السجن وقت إجراء الانتخابات الأخيرة في باكستان عام 2002 بتهم تتعلق بالفساد! ووزير الإعلام الباكستاني الحالي شيخ رشيد أحمد مشهور بالفسق والفجور، ولذا يرفض الزواج!

-ولا للديمقراطية؛ لأنها تقتل القيم الفاضلة في المجتمع، فالولاءات تباع وتشترى كما تباع أي سلعة, ولذا فإن كل الاقتراعات داخل المجالس تتم بصورة سرية حتى لا تفضح الصفقات التي تمت في الظلام وخلف الكواليس.

ولو كانت هناك حرية فعلية ونزاهة وصدق مع النفس والآخرين؛ لكانت كل الاقتراعات علنية, يقف كل عضو في المجلس ليقول رأيه أو ينتخب من يريد بكل جرأة وشجاعة, حتى ولو كان مخالفًا لرأي حزبه واختياره, ولكنه التخطيط للتغطية على المنافقين والوصوليين والمرتشين.

والشعارات الرَّنانة المدوية تُكْتَم أنفاسها وتُبتلع دون ضجيج.

والكذب والنفاق والدياثة والجبن تصبح ذكاءً وتقدميةً وحنكة وبعد نظر.

وأعداء الأمس حلفاء اليوم.

وأقوال الكفر والرّدة من الساسة الآخرين تؤول على غير وجهها لمجرد التقاء المصالح والرغبة في التحالف.

والحكمة؛"أبغض بغيضك هونًا ما عسى أن يكون حبيبك يومًا ما"... هي القانون المطبق من جميع الأحزاب والساسة, فلابد أن يجيد محترف السياسة والديمقراطية - السير على الحبال, والقفز في الهواء -

وذو الوجهين بل المائة وجه, هو السياسي المحنك والخبير بالعلاقات العامة.

{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ، فالخشوع والخضوع والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، ونقر الصلوات المكتوبات أمام الحضور عند لقاء قادة الأحزاب الإسلامية، والكلام عن حلاوة الدين وضرورة تقنين أحكام الشريعة حتى تطبق في واقع المجتمع تدريجياّ, وهذا ما لا يحدث مع القوانين الوضعية المفروضة من أمريكا والغرب الصليبي أو من"الزعيم"التي يتم إقرارها وتنفيذها دون إبطاء أو تدريج!

-ولا للديمقراطية؛ لأن الباطل يصبح فيها حقاًُّ يحتكم إليه. فرئيس الدولة أو الزعيم يشرِّع قوانين ومواد ينزلها منزلة الدستور, وتعد في نظر الشعب والمعارضة باطلة وترسخ هيمنته وسيطرته على الحكم, ثم يجري الانتخابات العامة استنادًا إليها, وتشارك المعارضة في تلك الانتخابات حتى لا تترك الساحة للحزب الحاكم والأحزاب المتحالفة معه وحدهم.

فإذا طالب الأعضاء المنتخبون منهم بعد ذلك بتعديل أو إلغاء هذه القوانين وطعنوا في دستوريتها, قيل لهم: (أنتم ما جئتم إلى هذا المجلس وأقسمتم اليمين إلا بهذه القوانين, فإن زالت زلتم ولا كرامة) .

واسألوا الباكستانيين عن مهزلة الـ LFO والتي كان مجلس العمل المتحد أحد أبرز اللاعبين فيها - وهي 29 قانونًا أعطاها الرئيس صفة الدستورية في غيبة المجالس النيابية بعد الانقلاب الذي قام به على حكومة نواز شريف الثانية, تمنحه السلطة المطلقة وتهمش دور الحكومة والمعارضة -

وكان أبرز قادة مجلس العمل يهددون قبل إجراء الانتخابات بالاستقالة من المجلس النيابي في حالة انتخابهم أعضاءً فيه, إذا لم يتم إزالة هذه القوانين"غير الدستورية"، ثم دارت الأيام وتم إقرار هذه القوانين كاملة بموافقة نواب مجلس العمل؛ إلا مادتان لا تقدمان ولا تؤخران، وهي تخلى الرئيس عن منصبه كقائد للجيش وكما كان متوقعًا لم يحدث ذلك بل على العكس قام بتشكيل ما يعرف بـ"مجلس الأمن القومي"- NSC - برئاسته ليحكم قبضته على مقاليد الأمور, ومن ثم ضمان الاستمرار في حكم البلاد لفترة رئاسية ثانية؛ بل ربما يعدّل الدستور ليسمح له بتولي الرئاسة لفترة ثالثة ورابعة كما يفعل زعماء العرب، والمادة الثانية التي تم تعديلها؛ هي اقتصار الرئيس على مد فترة خدمة قضاة المحاكم العليا لمدة عام واحد بدلًا من ثلاثة أعوام!

هذا في باكستان.

أما في العراق؛ فقد تابعنا جميعًا ما جرى من الضغط على أعضاء ما يسمى بـ"المجلس الانتقالي"للتوقيع على"الدستور الموقت"على ما فيه من بنود تمت صياغتها بطريقة توافقية مطاطية عائمة, في حين يجب أن تكون"قطعية الدلالة"، وهذا الدستور سيتولد عنه الدستور الدائم, وقد صاغته لجنة"غير منتخبة وغير شرعية"، لا عراقيًا ولا دوليًا - كما يصفها المحللون السياسيون - ولا يعرف الأمريكان الآلية التي سيتم بها تطبيق هذا الدستور, ولكن المهم عندهم هو رمي المسؤولية من على أكتافهم - ظاهريًا أمام العراقيين - مع الاحتفاظ بالسلطة الفعلية بأيديهم, وهو ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول دون مواربة.

-ولا للديمقراطية؛ لأنها تفرض علينا أن نحترم حقوق الأقليات الدينية - خاصة النصارى والمشركين كالهندوس والقاديانيين وغيرهم - ونخصص مقاعد لهم في المجالس النيابية ولو كان عددهم لا يتجاوز بضعة آلاف، في الوقت الذي لا يُعْطى المسلمون حقوقهم ولا يخصص لهم مقعد واحد في المجالس النيابية في الدول الغربية والكافرة, حتى ولو كان عددهم بمئات الآلاف أو الملايين, ويعيشون في تلك البلاد منذ عشرات أو مئات السنين وتجنسوا بجنسيتها!

-ولا للديمقراطية؛ لأنها تضيع هيبة الدين وأتباعه وتظهره بمظهر السلبية والاستسلام للأمر الواقع.

فأقصى ما يستطيعه المنضوون تحت مظلة الديمقراطية للتعبير عن غضبهم واستنكارهم هو الخروج في مظاهرات منظمة بإذن مسبق من الحكومة وفي المكان الذي تحدده لهم، فيجتمعون ويهتفون ما شاءوا, ويلعنون من أرادوا, ويحرقون الدُّمى, ثم يعودون إلى هدوئهم واستكانتهم بمجرد الخروج من مكان التظاهر, أو انتهاء المهلة المحددة لهم.

وهذا ما أكده قاضي حسين أحمد"أمير الجماعة الإسلامية الباكستانية"في قوله: (قد لا تملك الأحزاب الدينية الباكستانية قوة انتخابية كبيرة, ولكن من حيث تأثيرها في المؤسسات الوطنية المختلفة فتملك خبرة طويلة لممارسة الضغوط الشعبية على الحكومة عبر تنظيم حركات احتجاجية سلمية كبيرة!) .

ولهذا لم يكن مستغربًا ذلك الاستخفاف الذي تكلم به وزير الإعلام الباكستاني شيخ رشيد أحمد عن الأحزاب الإسلامية الباكستانية, والثقة المتناهية في تصريحه بأن الحكومة تعرف كيف تتعامل مع تلك الأحزاب إذا ما خرجت في مظاهرات ضد الغزو الأمريكي للعراق, وكيف أنها خرجت في مظاهرات عارمة عند الاجتياح الأمريكي للخليج عام 1991 بدون فائدة.

وهذا ما حدث فعلًا بعد بدء الهجوم الصليبي على العراق؛ حيث خرجت مسيرات ضخمة في جميع المدن الباكستانية الكبرى, ضمت الواحدة منها مئات الآلاف من البشر وكأنه يوم الحشر, ليستمعوا إلى خطب قادة الأحزاب الإسلامية والمعارضة, وادَّعى الخطباء أنهم على استعداد للذهاب إلى العراق للجهاد ضد القوات الأمريكية؛ بينما كانت القوات الأمريكية على بعد خطوات منهم في أكبر القواعد العسكرية الباكستانية تشن حرب إبادة ضد المسلمين في أفغانستان، وكأن الجندي الأمريكي الذي يدَنِّس أرض العراق ويقتل المسلمين هناك غير الجندي الأمريكي الذي يدَنِّس أرض باكستان ويقتل المسلمين فيها وفي أفغانستان؟!

فالمظاهرات السلمية هي الطريقة الوحيدة أمام الديمقراطيين للتعبير عن الرفض والاستنكار خارج قاعات المجلس النيابي.

أما في داخل المجلس فإن عضو المعارضة بين أربع خيارات, وهي بغيضة كلها في الإسلام, ولا تقبلها النفوس الأبية؛ إما أن يكون إمَّعةٌ، وإما أن يكون شيطانًا أخرس، وإما أن يكون عاجزًا، وإما أن يكون ذليلًا.

لأنه إن شارك في الاقتراعات وأمَّن مع المؤمِّنين على الحق والباطل فهو إمَّعة, لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يكن أحدكم إمَّعة يقول إن أحسن الناس أحسنتُ, وإن أساؤوا أسأتُ, ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم) .

وإن اكتفى بالسكوت والامتناع عن التصويت؛ فهو شيطان أخرس، لأنه سكت عن قول الحق.

يقول ابن القيم رحمه الله:(وأي دينٍ, وأي خيرٍ, فيمن يرى محارم الله تُنْتَهك, وحدوده تُضاع, ودينه يُترك, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرْغَب عنها, وهو بارد القلب ساكت اللسان, شيطان أخرس, كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟!

وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورياساتهم فلا مبالاة بما جرى على الدين. وخيارهم المتحزن المتلمظ, ولو نوزع في بعض ما فيه غضاضة عليه في جاهه أو ماله بذل وتبذل, وجد واجتهد, واستعمل مراتب الإنكار الثلاثة - باليد واللسان والقلب - بحسب وسعه, وهؤلاء - مع سقوطهم من عين الله ومقت الله لهم - قد بُلوا في الدنيا بأعظم بَليةٍ تكون وهم لا يشعرون, وهو موت القلوب, فإنَّ القلب كلما كانت حياته أتم كان غضبه لله ورسوله أقوى, وانتصاره للدين أكمل) [10] .

وإن خرج من القاعة أثناء الاقتراع أو للتعبير عن استيائه, أو حتى استقال من المجلس، فهذه حيلة العاجز.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحقر أحدكم نفسه) ، قالوا: يارسول الله! كيف يحقر أحدنا نفسه؟! قال: (يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟! فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى) [سنن ابن ماجة] .

وإن وقف وحده أو مع جماعته القليلة يتحدى التيار الجارف, ويحمِّل نفسه ما لا يطيق, ويسمع ما لا يحب, يكون قد أذل نفسه.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه) ، قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: (يتعرض من البلاء لما لا يطيق) [قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب] .

-ولا للديمقراطية؛ لأن داخلها"تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، فلابد من أن يشارك في اللعبة كاملة بكل مرارتها وهي كثير, وحلواها وهي قليل.

فلو صدر قانون بتخصيص مقاعد للنساء في المجالس النيابية, تقوم الأحزاب الإسلامية المشاركة في الديمقراطية بترشيح عدد من نسائها حتى تفوت الفرصة على النساء العلمانيات المواليات للحكومة من دخول المجلس, وفي نفس الوقت إثبات أنها تحترم حقوق المرأة, وتبرئة الساحة من التحجر - كما يروج أعداء الله - وليرى العالم النساء المسلمات متعلمات مثقفات محجبات ونائبات في المجالس النيابية.

وبذلك نكون قد ابتلعنا الطعم وأخرجنا نساءنا من بيوتهن لغير ما خلقهن الله له, وسمحنا لهن بالاختلاط بالرجال الأجانب, ورفع الأصوات في المجالس العامة, ووافقنا على أن تكون المرأة قيمة على الرجال - وليس العكس - ووافقنا ضمنًا على القوانين التي تسمح للمرأة بتولي الوزارة والإمامة العظمى, أي تطبيق شعار؛"مساواة المرأة بالرجل في كل شيء"، من حيث لا ندري ولا نحتسب! وهذا تكذيب للقرآن وحكمه القطعي الدلالة بعدم مساواة شهادة الرجل بشهادة المرأة.

والمفروض في المرأة كما علمنا ربنا من خلال قصة موسي مع ابنة شعيب عليهما السلام أنها؛ {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} .

وكما علمنا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه؛ نهى اثنتين من أمهات المؤمنين أن ينظرن إلى عبد الله بن أم مكتوم - وهو أعمى - فقلن: يارسول الله, أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!) [رواه أبوداود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح] .

فكيف للنائبة"المحترمة"ألا تنظر إلى الرجال وينظرون إليها, وكاميرات التلفاز والصحافة تلاحقها في كل مكان, وتجري معها الحوارات المطولة, لينظر إليها كل أحد ويدقق النظر, فيصرن فتنة للبر, ونهمة للفاجر؟!

فنحن لا نُسَرُّ برؤية صور النائبات المسلمات منقبات لا يرى منهن إلا العيون فوقها النظارات، فهذه ليست هي الدعاية المثلى لديننا ولا لتكريم المرأة فيه.

فصلاة المرأة في خدرها أفضل من صلاتها في وسط البيت, وصلاتها في وسط بيتها أفضل من صلاتها في المسجد, ومن ثَمَّ فهي أفضل قطعًا من صلاتها في قاعة مغلقة في مجلس النواب.

وكيف نستنصر بالمرأة التي وصفها ربها وخالقها أدق وصف وأبينه: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} .

فالزينة و"الماكياج"ملازمان للمرأة حتى تغطي النقص الذي تشعر به أمام قريناتها, والبكاء هو"أمضى أسلحتها"إن ضاق عليها الخناق ولم تستطع أن تدافع عن نفسها.

وأريد أن أسال: هل أفلحت الدول التي اختارت النساء"الحديديات"للرئاسة العامة أو رئاسة الوزارة حتى نختار من النساء من يتحكمون في رقابنا؟!

ثم أين هي حقوق المرأة المهضومة في الإسلام حتى تقاتل من أجلها, ويتاجر المتاجرون بمعاناتها ويستغلونها أسوأ استغلال؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت