إذًا في هذه الحالة للخليفة أو للسلطان أو للجهة أن تعزل القاضي لأنه غالبًا إذا عزله سيولّي قاضيًا آخر إما أن يكون مثله أو أن يكون أصلح منه، هذا هو حجة العلماء في هذا الأمر، أن للخليفة أو السلطان أو أي جهة -والجهة هذه من عندي أنا، لأنني أتكلم عن زماننا نحن؛ الوقت المعاصر لا يوجد لا خليفة ولا سلطان، إذًا من الذي يعزل؟ هناك أماكن محرّرة يحرّرها الشباب المجاهدين مثلًا ويكون لهم سلطان فيها وقوة وسياسة فيستطيعون أن ينفّذوا حكم الأمير أو حكم القاضي، ففي هذه الحالة الذي عيّن القاضي من حقّه أن يعزله على هذا الرأي المشهور عند الأئمة وهو رأي الجمهور.
وأما الرأي الآخر وهو رأي ليس بالشهرة وبالقوة وهو أن القاضي لا يجوز للخليفة أن يعزله، فهذا عقد مصلحة للمسلمين إذًا فلا يملك الخليفة نقض هذا العقد بعزل القاضي مع صلاح حاله. وأيضًا أن القاضي يتقلّد هذا كما يقول القفّال -رحمه الله- أن القاضي صار قاضيًا من جهة الله، القاضي يباشر القضاء بولاية عامة للمسلمين ولمصالحهم. يعني هو يتكلم في الحقوق والولايات العامة للمسلمين وهذا مأمور من ناحية الشرع، فإذًا هو قاضي ديانة؛ فلذلك لا يجوز للخليفة أن يعزله.
هذا الرأي الثاني الذي لا يجيز للخليفة عزل القاضي.
ولكن لو نظرنا إلى الرأيين نجد أن الرأي الغالب في الفقه الإسلامي وفي تاريخ المسلمين وهو كمستند لما حدث للصحابة ولمن جاء بعدهم أنهم كانوا يعزلون القضاة.
إذًا الراجح هنا أنه يحق للخليفة أو للجهة التي عيّنت القاضي أن تعزله، ولكن من ناحية الديانة ومن ناحية الورع يُنصح الخليفة أن يراعي الأصلح للمسلمين، وما دام القاضي لم يقصّر في شيء، وما دام القاضي يحكم بالشرع ولم يخالف الشرع فلم عزله؟ فإذا كان لا بد فإذًا لا بد من وجود الصالح أو الأصلح منه. إذًا الرأي الراجح أنه يجوز فعلًا للخليفة ولكن نضع كما يقول بعض العلماء لا بد لو وضع قيد يكون أفضل، حتى لا يتخذها الخليفة أو يتخذها الأمير أو الجهة أن تعزل القاضي بمزاجها هكذا لكن يُراعى فيها ديانة.
-طيب نفترض عزله حتى ولو كان صالحًا، هل عزله يُنفّذ؟ نعم في النهاية سيُنفذ، ولكن الإثم سيكون على هذا الخليفة أو هذه الجهة التي عزلت القاضي بدون أي مبرر شرعي، ولكن من ناحية التنفيذ نعم ينفذ وأحكامه لا يُعمل بها إذا حكم بعد عزله.