ولذلك الإمام الونشريسي قال إن نظر المفتي أعمّ من نظر القاضي، وذلك في كتابه (الإعراب المعرّب) .
وأيضًا الفتوى تجوز من الحرّ والعبد، وتجوز من الرجل والمرأة. ممكن المرأة تفتي ولكن لا تكون قاضية طبعًا. أما القاضي لا يقضي إلا لفصل النزاع ولا يقضي لنفسه ولا لمن لا تُقبل شهادته ولا على عدوّه، بخلاف المفتي يفعل كل هذا. القاضي عنده شروط صارمة، لا بد أن يكون ذكرًا، وباقي الشروط التي تكلّمنا عنها. أما المفتي ممكن أي إنسان يكون مفتيًا، لكن بالشروط طبعًا، يعني ممكن المرأة تكون مفتية ولكن تتوافر فيها الشروط التي في الرجال أيضًا. لأن المفتي فتواه ليست ملزمة، فالقاضي أيضًا يعتمد في حكّمه على الحجج، أما المفتي ينظر في الأدلّة وما ترجّح عنده من الأدلة. القاضي ينظر في الحجج، الخصم يقول شيئًا، وغيره يقول شيئًا، فالقاضي هنا يتعامل مع الأدلة التي يقدّمها أطراف الدعوى. أما المفتي ينظر في الأدلّة نفسها الشرعية، يبحث يرى الدليل، أقوال العلماء، الإجماع، القياس، ينظر في مثل هذه الأمور.
حكم القاضي كما يقول العلماء يحسم النزاع، يرفع الخلاف، انتهى الأمر، حكم القاضي في المسألة وانتهى. أما المفتي لا يرفع النزاع، ولا يرفع الخلاف، هو أفتى، وأنت تقول أنا أفتاني الشيخ الفلان الفلاني، ممكن واحد ينازعك في الفتوى يقول أنا لا أقبل هذه الفتوى، فمن الذي سيلزمه؟ حتى السلطان لا يستطيع أن يلزمه، لو السلطان أراد أن يلزمه سيلجأ هذا الشخص للقاضي ويقول له السلطان يجبرني على شيء.
إذًا الفتوى هذه كما يقول الإمام القرافي هي عامة للمكلّفين إلى أن يرث الله ومن عليها؛ لأنها تعمّ المستفتي وغيره، يعني يفتيك أنت فالفتوى هذه ممكن يستفيد منها غيرك أيضًا. أما القضاء فحكم القاضي يختصّ بالوقائع الجزئية، يعني حكمه متعلّق بطرفين في الدعوى، المدّعي والمدّعي عليه، أو المجني عليه والمتهم، أو أطراف الدعوة أولياء الدم والمتهم، فهو نزاع خاص، قضية تتعلق بشيء جزئي. الفتوى ممكن تكون بالقول، واحد يفتي بقوله، وممكن بالفعل يفعل شيئًا ويُفهم منها أنها فتوى، أو بالكتابة، أو يشير بالإشارة، كل هذا جائز في الفتوى، بينما القضاء لا يكون إلا باللفظ، يقول حكمنا بكذا وفعلنا كذا. ومعنى يلفظ يعني يلفظ بالحكم على المعنى الغالب، لكن هو يلفظ ويكتب طبعًا، يكتب الحكم حكمنا بكذا وكذا ولكن ينطقه؛ لأن الأصل في الأحكام أن تكون منطوقة، ولكن القاضي طبعًا لا بد أن يكتبها حتى لا تُنسى.
ولذلك القضاة قديمًا عملوا ما يُسمى السجلّات، السجل يدوّن فيه أحكامه ويدوّن فيه وقائع القضية كاملة. هذا هو مقصود لا يكون القضاء إلا باللفظ يقصد الغالب أنه هكذا ولكن يُكتب.