القضاء لا يكون إلا بتولية من الإمام، من السلطان، من الخليفة، مع توافر الشروط التي ذكرناها: الإسلام، والذكورية، والحرية، والعدالة، والسلامة من فقد البصر والسمع والنطق، وكل هذا الذي ذكرناه. بينما الفتوى لا يُشترط فيها ذلك، ممكن مفتي يفتي وحده هكذا، ممكن تسأل أي إنسان ويفتي، يعني أي إنسان عنده ملكة وعلم لا أحد يستطيع منعه.
ولذلك هؤلاء العلمانيون وهؤلاء المجرمون دائمًا يحاولون الإجبار يقول لا بد من تقنين الفتوى وإلزام الفتوى وأن الذي يفتي من غير المفتين المعيّنين من الحكومة أو من وزارة الأوقاف أو من الأزهر تكون فتواه باطلة! هذا كلام مخالف بالإجماع لكل علماء الأمة!!
نعم يجوز للحاكم أن يعيّن شخصًا ما مفتيًا مثلًا يفتي بالأشياء التي تحتاجها الناس لكن ليست فتواه ملزمة. مثل المفتي الذي يقرّ مسألة الهلال، والمسائل العامة التي تعمّ الناس في رمضان، يتحرّى الشهور، كما يفعل المفتون وكما تفعل وزارات الأوقاف وغيرها، ولكن أن يلزم الناس بفتوى فلا، والفتوى ليست ملزمة عكس القضاء الذي هو ملزم.
والقضاء والفتوى يختلفون في الأجر -وكله من عند الله سبحانه وتعالى- ولكن القاضي المسألة عنده أتعب، والمفتي يمكن يفتي وليست فتواه ملزمة وهو يعلم، لكن القاضي لو أخطأ في حكم ممكن يتسبب في تضييع حقوق الناس وإهدار دماء بحكم يقضي على إنسان بريء، ممكن يحكم عليه بالقود، أو بالقصاص، أو بالإعدام، أو يأخذ حقه أو ماله أو غيره، فالعملية فيها خطورة شديدة؛ ولذلك تحتاج إلى ورع فعلًا كما قال الإمام الخرقي في (المغني) عندما قال: فقيهًا ورعًا! لأن الورع هذا يزجره عن أن يتبع هواه في هذه القضايا.
نكتفي هنا بهذا المقدار لأني أعتقد أننا ربما تجاوزنا الساعة، وبقيت مسائل أخرى سنرجئها إلى الدرس الخامس بإذن الله تعالى.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتغمّدنا برحمته، وأن يعلّمنا ما ينفعنا، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن نكون من الذين يسمعون القول فيتّبعون أحسنه.
بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.