نلخّص لكم لأن هناك تفصيلات كثيرة في الفرق بينهما: أن الفتوى والقضاء يتفقان في الإخبار عن حكم شرعي. واحد يسأل المفتي ويستفتيه يقول له ما حكم كذا، إذًا هو يسأل عن حكم شرعي. وأنت عندما تلجأ للقاضي تقول له هذا ظلمني، فأنت تسأل عن حكم شرعي، إلا أن القضاء في إخباره إلزام، ومتضمن للإنشاء -يعني ينشئ لك حقًا، كما عند القرافي-.
أما الفتوى مقتصرة فقط على الإخبار بحكم شرعي وإن كان متضمنًا بالإلزام الديني. يعني أنت تسأله في حلال وحرام، هو لا يستطيع إلزامك، وأنت ممكن تتحلّل من فتواه، لكن ممكن ربنا يحاسبك لأنه قال لك الحق وقال لك أن هذا حرام وأنت ارتكبته، لكن القاضي لا تستطيع أن تتفلّت منه، إذا أخذت مالًا من فلان سيأخذه منك، أو يقتصّ منك ويأمر بجلدك، أي حق أو عدوان تعتدي به سيلزمك به، فهو يختلف عن المفتي. المفتي يعطيك الفتوى وليست على سبيل الإلزام ولكن سبيل الإلزام الديني، يعني أنت تأثم عليها ديانة.
المفتي كما يقول القرافي أيضًا يخبر عن مقتضى الدليل الراجح عنده، ويشبهه القرافي بالمترجم: فهو كالمترجم عن الله تعالى فيما وجده في الأدلة، كترجمان الحاكم يخبر الناس، كما يجده في كلام الحاكم أو خطه، وهو في الحُكم يُنشئ إلزامًا أو إطلاقًا للمحكوم عليه بحسَب ما يَظهر له من الدليل الراجح، والسبب الواقِع في تلك القضية الواقعة.
إذًا الفتوى أعمّ من القضاء.
وأنا سأتكلم عن الفتوى عندما آتي إلى باب الدعوى وأقسام الدعوى، لأنه مثلًا في الدعوى المفتي ممكن تسأله في العبادات، تقول له أنا صليت العصر أو صليت الظهر أو عملت كذا ما حكم هذا، يعني حكمه كديانة هل صلاتي تصح أو لا تصح؟ ولكن ما ينفع تذهب للقاضي وتقول له يا قاضي هل صلاة العصر اليوم كانت صحيحة، ترفع دعوى تقول له هل أنا أأثم في صلاتي هذه أم لا؟ ما ينفع هذا أمام القاضي؛ إذًا الفتوى أعمّ من القضاء لأنها تكون في العبادات وأحوال الآخرة.
وتكون في المعاملات أيضًا، أنت تسأل المفتي أنا بعت كذا وشريت كذا هل هذا ربا، هل هذا باطل؟ المفتي تسأله في كل شيء؛ في المعاملات، وفي أمور العبادات، وفي الآداب، وفي الأخلاق. بينما القضاء لا يكون إلا في المعاملات فقط لتعلّقها بالحقوق والواجبات ولمناطها بالإلزام.