الصفحة 64 من 277

يُوجَدُ فِي الْإِقْلِيمِ الْوَاسِعِ الْعَظِيمِ -يقصد المغرب الإسلامي بطوله وعرضه- مُفْتٍ نَظَّارٌ قَدْ حَصَّلَ آلَةَ الِاجْتِهَادِ، وَاسْتَبْحَرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَمَعْرِفَةِ اللِّسَانِ وَالسُّنَنِ، وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَحْكَامِ، وَالِاقْتِدَارِ عَلَى تَأْوِيلِ مَا يَجِبُ تَأْوِيلُهُ، وَبِنَاءِ مَا تَعَارَضَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرْجِيحِ ظَاهِرٍ عَلَى ظَاهِرٍ، وَمَعْرِفَةِ الْأَقْيِسَةِ وَحُدُودِهَا وَأَنْوَاعِهَا وَطُرُقِ اسْتِخْرَاجِهَا، وَتَرْجِيحِ الْعِلَلِ وَالْأَقْيِسَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، هَذَا الْأَمْرُ زَمَانُنَا عَارٍ مِنْهُ فِي أَقَالِيمِ الْمَغْرِبِ كُلِّهِ».

طبعًا أنت تندهش عندما يقول هذا ولو ترى علماء المغرب في ذلك الوقت فحولًا وعلماء أكابر وتراجمهم كثيرة حتى في القرن السادس الذي يتكلّم عنه، ولكن انظروا وصلت المسألة يعني عندما نقارنهم بالعلماء الذين جاؤوا بعدهم أو علماء عصرنا ماذا عسانا أن نقول! وهم كانوا علماء كبارا أيضًا وألّفوا ولكن هو يقصد الاجتهاد يعني وصلوا مرتبة الأئمة الكبار مثل الإمام الشافعي والإمام أبو حنيفة والإمام مالك وهؤلاء الأئمة الكبار ممن سبقوهم، ولكن يقول إن المسألة صعبة الآن.

«هَذَا الْأَمْرُ زَمَانُنَا عَارٍ مِنْهُ فِي أَقَالِيمِ الْمَغْرِبِ كُلِّهِ، فَضْلًا عَمَّنْ يَكُونُ قَاضِيًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَالْمَنْعُ مِنْ وِلَايَةِ الْمُقَلِّدِ الْقَضَاءَ فِي هَذَا الزَّمَانِ تَعْطِيلٌ لِلْأَحْكَامِ» . هذا هو الشاهد هنا، والرحمة هنا، لأني كلمتكم عن مسألة خلو الزمان التي ذكرها السمناني والروياني وغيرهم. «تَعْطِيلٌ لِلْأَحْكَامِ، وَإِيقَاعٌ فِي الْهَرْجِ وَالْفِتَنِ وَالنِّزَاعِ، وَهَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ تَخْتَلِفُ أَحْوَالُ الْمُقَلِّدِينَ فَرُبَّمَا وَلَّى وُلَاةُ الْأَمْرِ عَامِّيًّا لِغِنَاهُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَتَحَلِّيهِ بِاسْمِ الْعَدَالَةِ وَسَمْتِ الْوَقَارِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ التَّخْصِيصِ وَمُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ وَمُطَالَبَةِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِ الْغَبَاوَةِ وَالْجَهْلِ وَيُلْحِقُهُ بِطَبَقَةِ مَنْ يَفْهَمُ مَا تَقُولُ الْخُصُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُوَلَّى قَضَاءً وَلَا يُوثَقَ بِهِ فِيهِ، انْتَهَى. وَكَانَتْ وَفَاةُ الْمَازِرِيِّ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -» .

لذلك العلماء قالوا المقلّد إذا كان يستطيع ويحفظ أقوال العلماء حتى لا تضيع حقوق الناس، ولا نجد من هو المجتهد بهذه الشروط الصعبة. ويقصدون الشرط هنا شرط الاجتهاد في العلم، أما الشروط الأخرى مسلم بها؛ لا بد أن يكون مسلمًا، ذكرًا، حرًا، ويكون سميعًا بصيرًا كل هذا الكلام مسلّم به، إلا في مسألة الاجتهاد هذه. وقالوا أما تولية واحد عامي جاهل لا يعرف هذا لا يجوز على الإطلاق. «فَإِذَا كَانَ جَاهِلًا الْتَبَسَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَاذَا يَأْخُذُ، وَرُبَّمَا وُلِّيَ الْجَاهِلُ بَلَدًا لَا فُقَهَاءَ فِيهِ فَيَحْكُمُ بِهَوَاهُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى بِلَادِنَا وَزَمَانِنَا، فَقَدْ ذَهَبَ الْعِلْمُ وَكَثُرَ الْجَهْلُ وَقُدِّمَتْ الْجُهَّالُ وَاطَّرَحَتْ الْعُلَمَاءُ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ -» . ابن فرحون من أعيان القرن الثامن الهجري، يعني هو متوفى سنة 799 ه فما بالك بزماننا نحن!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت