عبارة عن مسائل نظرية وافتراضات؟ يعني أرأيت إن كان كذا، وأنها عبارة عن أنها يجوز لها شهادتها إذًا يجوز قضاؤها. الشافعي قال إن كان يجوز لها في شهادتها لا يجوز أصلًا في قضائها لأن القضاء يختلف عن الشهادة.
المهم ابن قدامة ردَّ عليهم أيضًا وقال: ولنا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) ؛ ولأن القاضي يحضره محافل خصوم، ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي، ليست أهلًا للحضور في محافل الرجال، ولا تُقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل، وقد نبّه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} . ولا تصلح للإمامة العظمى، ولا لتولية البلدان؛ ولهذا لم يولّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالبًا «.
إذًا هو كل هذا يتكلّم في كمال الأحكام. قال: وأما كمال الخلقة فأن يكون متكلّمًا سميعًا بصيرًا؛ لأن الأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم جميع الناس إشارته، والأصم لا يسمع قول الخصمين، والأعمى لا يفهم المدّعي من المدّعى عليه، والمقرّ من المقرّ له، والشاهد من المشهود له. وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز أن يكون أعمى لأن شعيبًا كان أعمى، ولهم في الأخرس الذي تُفهم إشارته وجهان.
ابن قدامة ردّ على هذه الشبهة قال: ولنا أن هذه الحواس -أي الخرس والعمى والأصم والأبكم- تؤثّر في الشهادة فيمنع فقدها ولاية القضاء، كالسمع، وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة يحتاج إليه فيها وربما أحاط بحقيقة علمها، والقاضي ولايته عامة. ويحكم في قضايا الناس عامة؛ فإذا لم يُقبل منه الشهادة فالقضاء أولى.
طبعًا هذا الموضوع أنا سأفصّله إن شاء الله في مسألة القصاص وجرائم القتل العمد وصفات الشهود وتفصيل ماهية العدالة، أنا فقط أشير حتى يحين الحين، لما يأتي الوقت لندخل في المسائل الجنائية سأستعرض معكم كثيرًا من هذه المسائل بالتفصيل وسأقول لكم عن الرأي الراجح في هذه المسائل.
قال: وما ذكر عن شعيب عليه السلام فلا نسلّم فيه؛ فإنه لم يثبت أنه كان أعمى ولو ثبت فيه ذلك فلا يلزم ههنا فإن شعيبًا عليه السلام كان من آمن معه من الناس قليلًا، وربما لا يحتاجون إلى الحكم بينهم لقلتهم وتناصفهم فلا يكون حجة في مسألتنا».