يتعيّن ويجبره الحاكم على القبول لأنه لا يوجد أحد أصلح منه، لا يوجد غيره، إذًا يتعيّن عليه. هذا هو الوجوب، الوجوب هنا يعني الفرض، يعني سيأثم.
أيضًا الندب كما قلنا مندوب له أن يقبل، مستحب له أن يقبل منصب القضاء لتحقيق مصالح الناس. والندب هذا له درجة، قد يصل إلى الوجوب أيضًا إذا كان هذا الرجل فيه نفع للمسلمين، وأن القضاة الآن أو القاضي الذي سبقه أو القاضي الموجود من أهل الجهل أو مفسد أو من أهل العلم لكنه فاسق أو مخروم المروءة وعنده أشياء مرتشي أو يتكلّم الناس فيه ويشكون منه كثيرًا بسبب ظلمه؛ فهنا المندوب بالنسبة له يصل إلى الوجوب والحرمة طبعًا ستنطبق.
لو بطانة الأمير مثلًا أو المستشارون قالوا للقاضي أو للإمام أو للسلطان هناك رجل فقيه جيد فاطلبه للقضاء وعينه للقضاء، فطلبه للقضاء، وهذا الرجل يعرف من نفسه أنه أهل جهل، هو جاهل وعاجز، ففي هذه الحالة حرام عليه أن يقبل؛ لأن الإمام لا يعرف أنه جاهل، أو ربما المعلومات التي وصلت إلى الإمام أو السلطان ليست كافية، أو حصل تدليس أو كذب، فهنا في هذه الحالة الذي علم من نفسه العجز أو أنه ليس من أهل العلم وأنه ضعيف وصاحب هوى وغير ذلك فإنه لا يجوز له أن يقبل هذا القضاء لأنه حرام عليه.
الكراهة كما نقول هذا بالنسبة لمن كان هناك من هو أصلح منه وموجود، والقاضي عرض عليه، هنا يُكره له لأن هناك من هو أصلح وأفضل منه وهو يعلم، ممكن يرشحّه، يقول يا سلطان هناك رجل لا تعرفه هذا الرجل عنده من العلم وأنا أرشحه. وهذا كان يحدث في تاريخ السلف، أنهم كانوا أحيانًا يرفضون ويقول الذي طُلب منه ذلك: هناك من هو أصلح مني فلان بن فلان، كما فعلوا مع سيدنا عمر بن عبد العزيز عندما استشار العلماء في ذلك الوقت وقال لهم عيّنوا لنا فاختاروا من هو أصلح للقضاء فجاء القضاة أنفسهم قالوا أصلح واحد لذلك إياس بن معاوية، والله لا نعلم أحدًا أعلم من إياس بن معاوية.
وإياس بن معاوية كان أيام أبو حنيفة أيضًا، وهو شيء من النجوم والكواكب في القضاء الإسلامي وتاريخ الإسلام من الذكاء والفطنة والعلم، هذا كأنه صاحب مذهب لوحده وهكذا. وأين شريح، وشريك بن عبد الله، وابن شبرمة، وكل هؤلاء؟ حتى لا يظن الناس أن أبا حنيفة لوحده، لكن القضية كانت علماء كثر، وتاريخ الأمة بفضل الله عميم وفضفاض، مملوء بهذه الكنوز.