الصفحة 45 من 277

حتى يفهم الناس كيف كانت المسألة، كان هناك سادة وعلماء أعلم من أبي حنيفة في ذلك الزمان حتى. يعني انظروا إلى سوار بن عبد الله، وابن أبي ليلى، كل هؤلاء كانوا أقرانًا وأعلم من أبي حنيفة نفسه، وهناك من القضاة الذين كان معظمهم من أبناء الصحابة في الأساس، وكانوا من العلم بمكان، لكن لم يكن لهم أتباع فيما بعد. الأتباع هم الذين ضخّموا في المسألة.

وسأستعرض لكم إن شاء الله بالتفصيل فترة الإمام أبي حنيفة، وسنحسبها من بعد 15 سنة ميلاده، قل من عشرين سنة عندما كان يُعين للقضاء مثلًا، من هم القضاة الذين كانوا في زمن أبي حنيفة منذ أن بلغ إلى أن توفي سنة 150 ه يعني في أيام أبي جعفر المنصور أيضًا. سنستعرض لكم لتوازنوا، لأن المسألة كانت كما قال ابن الشحنة وغيره: قوم صالحون كانوا يفرون منه، وقوم صالحون كانوا يقبلونه. لكن هل أبو حنيفة كان يدور في خلده أنه كان يتعيّن عليه القضاء وهو هرب؟

في هذه الحالة يأثم لو كان متعيّنًا عليه، لكن هو يعلم أن الأمة فيها من القضاة والعلماء والمشايخ. أرجو أن يقوم الشباب بعمل توازنات تاريخية، لا يظن أن التاريخ كان مختزلًا في شخصية الإمام والمذهب المشهور الذي نتكلم عنه، هم كان لهم أقرانًا، وعلماء فحول في زمانهم أيضًا. حتى لا يظن أن العلم كان قاصرًا مثلًا على الإمام أحمد، أو العلم كان قاصرًا على الإمام مالك أو الإمام أبي حنيفة أو الإمام الشافعي، بل الأمة كانت ما شاء الله ذاخرة ومملوءة. ولكن هؤلاء تميّزوا ورفع الله ذكرهم، والله -سبحانه وتعالى- بارك لهم، ولهم أتباع نشروا مذهبهم، وإلا الليث بن سعد كما تعلمون لا يوجد له مذهب حتى لا يوجد أحد من تلامذته رغم أنه كان أعلم من الإمام مالك بشهادة المؤرّخين وشهادة علماء كبار في زمانهم.

إن شاء الله نرجع إلى هذه المسألة بالتفصيل، ولن أجعلها سؤالًا خارج الدورة، بل سأجعلها في الدورة لأنها مهمة.

إذًا القضاء يكون واجبًا إذا كان الرجل من أهل الاجتهاد وأهل العلم والعدالة ولا يكون هناك قاضي، أو يكون ولكن لا تحلّ ولايته؛ ففي هذه الحالة يتعيّن عليه.

ومتى يكون مباحًا؟ يعني تفعله أو لا تفعله؟ قال العلماء أن يكون فقيرًا وله عيال فيجوز له السعي في تحصيله لسدّ خلّته، وكذلك إن كان يقصد به دفع ضررٍ عن نفسه فيُباح له أيضًا. ويقول ابن فرحون: «والوجه الأول نقله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت