قد يكون واجبًا في حقه، وقد يكون مباحًا له، وقد يكون مستحبًا له، وقد يكون مكروهًا، وقد يكون حرامًا عليه. واحد يطلب القضاء يعني يطلب أن يعمل قاضيًا.
متى يكون القضاء واجبًا؟ يعني يتعيّن عليه أن يكون قاضيًا؟ قال ابن فرحون: الوجه الأول: إذا كان من أهل الاجتهاد أو من أهل العلم والعدالة ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحلّ ولايته، أو ليس في البلد من يصلح للقضاء غيره، أو لكونه إن لم يل القضاء وليه من لا تحلّ ولايته، وكذلك إن كان القضاء بيد من لا يحلّ بقاؤه عليه ولا سبيل إلى عزله إلّا بتصدّي هذا إلى الولاية؛ فيتعيّن عليه التصدّي لذلك والسعي فيه، إذا قصد بطلبه -يعني الذي يطلب القضاء هذا- حفظ الحقوق وجريان الأحكام على وفق الشرع؛ لأن في تحصيله القيام بفرض الكفاية».
يعني بلد خالية من القاضي، أو وُجد من لا يصلح، ولا يحل له أصلًا أن يكون قاضيًا أو في الولاية؛ هنا من كان من أهل العلم والاجتهاد ومتوافر فيه الشروط التي سنتكلّم عنها فيما بعد إن شاء الله أنه يتعيّن عليه أن يطلب هو القضاء، لأنه لا يوجد أعلم منه في هذا وهو يعلم من نفسه بذلك وهو من أهل الاجتهاد؛ فهنا يتعيّن عليه طلب القضاء.
شبهة هروب الإمام أبي حنيفة من القضاء:
ولذلك أنا إن شاء الله سأشرح لكم بالتفصيل عن شبهة أو سؤال من أحد الإخوة في البحرين سألني عن موضوع الإمام أبي حنيفة لما طُلب للقضاء رفض وضُرب، ضربه ابن هبيرة، وهذا الكلام أيضًا في أيام أبي جعفر المنصور. هذا السؤال لماذا يهرب الإمام أبو حنيفة أو غير الإمام أبو حنيفة من القضاء؟
الناس تظنّ أنه لما طلبه أبو جعفر المنصور على القضاء في الدولة العبّاسية طلبه ولا يوجد في بغداد، ولا في أرض الخلافة، ولا في أرض الإسلام إلا أبو حنيفة، فكيف يرفض. نحن نقول أبو حنيفة لو يعلم أن الزمان خلا من أي قاض وأنه يتعيّن عليه القضاء لأجاب؛ لأن أبا حنيفة أصلًا لم يكن يكفر الدولة العباسية كما يظن الناس، لم يكن يكفّر لا أبا جعفر المنصور ولا أخاه أبا العباس السفاح، ولم يكفر حتى في أيام هشام بن عبد الملك. وهو من أيام عمر بن عبد العزيز من سنة 101 لأن أبا حنيفة وُلد سنة 80 ه، لما كان عنده عشرين سنة تقريبًا كان في أيام خلافة عمر بن عبد العزيز.