عن الظلم لا عن القضاء، فإن الجور في الأحكام واتباع الهوى فيه من أعظم الذنوب وأكبر الكبائر. قال تعالى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} ».
انتهى كلام ابن فرحون المالكي، ولكن نجد ابن الشِّحْنَة في (لسان الحكام) - وابن الشِّحْنَة هذا عالم كبير، توفي سنة 882 ه، واسمه أحمد بن محمد أبو الوليد لسان الدين ابن الشِّحْنَة الثقفي الحلبي، أصله من حلب، وهو يقول إن أصله حنفي-: قال -صلى الله عليه وسلم-: (من جُعل على القضاء فكأنما ذُبح بغير سكين) إنما شُبّه بهذا لأن السكّين تعمل في الظاهر والباطن، أما القتل بغير سكّين فهو القتل بطريق الخنق والغمّ وأنه يؤثّر في الباطن دون الظاهر، والقضاء كذلك لا يؤثّر في الظاهر؛ لأن ظاهره جاه وحشمة، لكن يؤثّر في الباطن؛ فإنه سببُ الهلاك فشُبّه به».
ثم ساق بعد ذلك حديث (القضاة ثلاثة: قاضينا في النار وقاض في الجنة) الحديث، ثم قال: «ومعنى ذلك كله التحذير عن طلب القضاء والدخول فيه، إلّا أنه قد دخل في القضاء قوم صالحون واجتنبه قوم صالحون، هذا كله إذا كان في البلدة قوم يصلحون للقضاء، أما إذا لم يكن من يصلح للقضاء فإنّه يدخل، وإذا كان في البلدة قوم يصلحون فإذا امتنع واحد منهم لا يأثم وإذا لم يكن وامتنع يأثم، ولو كان في البلدة قوم يصلحون فامتنعوا جميعًا، وكان السلطان لا يسمع الخصومات بنفسه يأثمون؛ لأنه تضييع لأحكام الله تعالى» .
طبعًا نحن سنشرح هذا الكلام بعد ذلك بالتفصيل، أنا أردت فقط إيراد تعليقات بعض العلماء عن هذا، معظم العلماء علّقوا على هذا الحديث، لا يكاد كتاب من كتب القضاء إلا ويتكلّم في هذا الموضوع «فقد ذُبح بغير سكّين» .
إذًا الخلاصة أن هذا التحذير هو في مسألة قضاة الظلم وقضاة الجور.
حكم طلب القضاء:
نأتي إلى مسألة «حكم طلب القضاء» ، قلنا لكم أصل القضاء فرض كفاية كما قال العلماء، وفرض الكفاية يعني إذا قام به البعض يسقط عن الباقين.
لكن حكمه من الناحية الشرعية له نفس الترتيب الذي ذكره العلماء؛ مثلًا ابن فرحون يتكلّم يقول: وطلب القضاء ينقسم إلى خمسة أقسام: واجب، ومباح، ومستحب، ومكروه، وحرام «. يعني واحد يطلب القضاء، فهو