أقرّ بالرسالة لنسف قضية القياس وهو ينفي القياس أصلًا؛ فإذًا لا بد أن يبحث عن أي شيء فطعن في بعض الرواة، والعلماء طبعًا بيّنوا وقووا هذه الرواية وحسّنوها وصارت كأنها متواترة معنويًا في التاريخ الإسلامي وفي القضاء وفي الشريعة، لا تجد هؤلاء العلماء الذين طعنوا فيها إلا ابن حزم للأسف الشديد.
ولا يوجد فيها شيء حتى يحتاج إلى طعن! نفس هذا الكلام سنجده في السنة، ونجده كلامًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- عندما يقول: (البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر) كل هذا مقتبس من الأحاديث النبوية، وإن شاء الله نحاول أن نركّز فيها.
الفرار من القضاء:
الآن هناك مسألة «الفرار من القضاء» يذكرها العلماء دائمًا. وهناك حديث معروف ومشهور في الفرار من القضاء، ذكره أبو داود في كتاب الأقضية في باب طلب القضاء عندما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من جُعل قاضيًا بين الناس فقد ذُبح بغير سكّين) .
هذا الحديث يحتجّ به العلماء الذين لا يقبلون القضاء، يفرّون، يقول لك «كأنه ذُبح بغير سكين» يعني قتيل القضاء، فيهرب من القضاء وإن كان عالمًا في ذلك.
وبعض الناس فهم هذا الحديث فهمًا خاطئًا وظنّوا أن هذا الحديث حجة على الفرار من القضاء، رغم أن العلماء تكلّموا في هذا الأمر بطريقة تختلف عما قاله هؤلاء الذين يستندون إليه.
انظر إلى كلام ابن فرحون مثلًا عندما يتكلّم عن هذا الحديث، يقول في (التبصرة) : وأما قوله -صلى الله عليه وسلم-: (من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين) فقد أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء، وقال بعض أهل العلم هذا دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأما المتولّي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق؛ إذ جعله ذبيح الحق امتحانًا، لتعظم له المثوبة امتنانًا؛ فالقاضي لما استسلم لحكم الله وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم فلم تأخذه في الله تعالى لومة لائم حتى قادهم إلى مرّ الحق، وكلمة العدل، وكفتهم -يعني صرفهم ومنعهم- عن دواعي الهوى والعناد؛ جُعل بيح الحق لله، وبلغ به -أي بلغ القضاء به- حال الشهداء الذين لهم الجنة. وقد ولّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل ومعقل بن يسار -رضي الله عنهم- القضاء؛ فنعم الذابح ونعم المذبوح. فالتحذير الوارد من الشرع إنما هو