الصفحة 41 من 277

لا يَمنعنَّك قضاءٌ قضيتَه راجَعت فيه نفسَك، وهُدِيتَ فيه لرُشدك أن تُراجعَ الحقَّ؛ فإن الحقَّ قديمٌ، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.

الفَهمَ الفَهمَ فيما تخلَّج في صدرك مما لَم يَبلغك في الكتاب أو السُّنة، اعْرِف الأمثال والأشباه، ثم قِس الأمور عند ذلك، فاعْمد إلى أحبِّها عند الله وأشبهها بالحقِّ فيما ترى، واجعل للمدّعي أمدًا ينتهي إليه؛ فإن أحضر بينةً أخذ بحقّه، وإلا وجَّهت القضاء عليه، فإن ذلك أجْلَى للعَمى، وأبلغ في العُذر.

المسلمون عدولٌ، بعضُهم على بعض، إلاَّ مجلودًا في حَدٍّ، أو مُجَرَّبًا في شهادة زورٍ، أو ظنينًا في ولاءٍ أو قرابة.

إنّ الله تعالى تولَّى منكم السرائرَ، ودرَأ عنكم بالبيِّنات. ثم وإيّاك والقلق، والضَّجر، والتأذِّي بالنَّاس، والتنكُّر للخصوم في مواطن الحقِّ، التي يُوجِب الله بها الأجر، ويُحسن بها الذُّخر، فإنه مَن يُصلح نيَّته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يَكْفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للنّاس بما يعلم الله منه غير ذلك يُشِنْه الله؛ فما ظنّك بثواب غير الله -عزَّ وجلَّ- في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام عليك».

وهكذا انتهت الرسالة كما رواها الدارقطني في سننه، والبيهقي في أدب القاضي، وشرحها ابن القيم في (إعلام الموقعّين) بالتفصيل، ومن قبله العلماء؛ علماء اللغة، وعلماء البيان، والقضاة سواء في مشارق الأرض ومغاربها، سواء في المشرق الإسلامي أو في المغرب الإسلامي أو في الأندلس، كلهم جعلوها نبراسًا، وقنديلًا يستضيئون به طريقة الحكم وطريقة التقاضي.

الرسالة طبعًا مشروحة لو ظللنا نشرحها تخيّلوا كأننا نشرح كتاب (إعلام الموقّعين) ولكن هذه موجودة، لكن أردت أن أستأنس بها عندما نتكلّم اليوم في آداب القاضي؛ فكيف تتكلم في آداب القضاء، أو آداب القاضي، وتغفل هذه الرسالة العظيمة: «إنَّ القضاء فريضة مُحكمة، وسُنة مُتَّبعة» .

و «فريضة محكمة» بمعنى محكم من القرآن يعني القاضي لما يحكم أو الحاكم يحكم إما بحكم محكم لا يقبل النسخ، هذه الحدود، وهذه المسائل المنصوصة في الشرع فهي محكمة، أو سنة متبعة طبقًا لما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحكام فهو يحكم بها، فهذه وسنة متبعة.

ولاحظوا في المسألة التي أتعبت ابن حزم وجعلته يطعن في الرسالة عندما قال له: «الفَهمَ الفَهمَ فيما تخلَّج في صدرك مما لَم يَبلغك في الكتاب أو السُّنة، اعْرِف الأمثال والأشباه، ثم قِس الأمور عند ذلك» . هنا ابن حزم لو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت