بن عثمان وأخذ ذلك أبان من أبيه عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنهما-. ودليل قول مالك إن علم القضاء ليس كغيره من العلوم قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} فأثنى -سبحانه وتعالى- على داود -عليه السلام- باجتهاده في الحكم، وأثنى على سليمان -عليه السلام- باجتهاده وفَهْمِهِ وجهَ الصوابِ.
وروي عن الحسن -رضي الله تعالى عنه- في قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} قال فصل الخطاب هو علم القضاء.
ولذلك يقول أيضًا: فعلم القضاء يمتاز عن علم فروع الفقه -في المذهب، أي مذهب له فروع فقه، هم يميزون علم القضاء عن هذه الفروع- لأن علم القضاء يفتقر إلى معرفة أحكام تجري مجرى المقدمات بين يدي العلم بأحكام الوقائع والجزئيات. وغالب تلك المقدمات لم يجر لها في دواوين الفقه ذكرًا، ولا أحاط بها الفقيه خبرًا، وعليها مدار الأحكام، والجاهل بها يخبط خبط عشواء في الظلام. ولذلك قال أبو الأصبغ بن سهل لولا حضوري مجالس الشورى مع الحكّام -يقصد القضاة- ما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه الأمير سليمان بن أسود، وأنا يومئذ أحفظ المدوّنة والمستخرجة الحفظ المتقن.
هذا كلام للشباب، مثل الذي يريد أن يتزبَّبَ قبل أن يتحَصرم، واحد يريد أن يتوثّب سريعًا، هو يقول لك كان حافظًا للمدونة ويتقنها ورغم ذلك لم يفهم مسائل القضاء وهيبة القضاء وهذه الأمور إلا بعد أن جلس في مجالس الشورى مع القاضي؛ لأن القاضي قديمًا كان يحضّر بعض الناس: العلماء، وبعض الفقهاء يحضرون مجلس القاضي يشاورهم في بعض المسائل. فيقول لم أفهم هذه المسائل رغم أنني أحفظ كل هذه المدوّنات والإتقان، ورغم ذلك ما فهمت إلا بالممارسة العملية، لما كان يجلس معهم في مجلس القضاء.
ويقول: «ومن تفقّد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إمامًا يُلجأ إليه ويعوّل الناس في مسائلهم عليه وجد ذلك حقًا وألقاه ظاهرًا وصدقًا» .
هذا كلام نفيس قاله الإمام ابن فرحون في (تبصرة الحكام) .
وأيضًا يقول ابن قدامة كلامًا نفيسًا في كتابه (المغني) عن أهمية القضاء: «والقضاء من فروض الكفايات لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه؛ فكان واجبًا عليهم كالجهاد والإمامة. قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب