سيقضي بين الناس هذا؟ وطبعًا أنا أفترض جدلًا يعني على الذين يتوهّمون أنه حاكم يحكم بالشرع، رغم أنه لا يحكم بما أنزل الله أصلًا.
«وطريق» : الطريق فيما يرجع إلى حقوق العباد المحضة عبارة عن الدعوى والحجة. يعني يقصد ما الطريق الذي سيسلكه القاضي في حكمه، هي إما البيّنة، أو الإقرار، أو اليمين، أو النكول عنه، أو القسامة، أو علم القاضي بما يريد أن يحكم به، أو القرائن الواضحات، كل هذا في أقسام الدعوى وسنشرحها بالتفصيل في طرق الإثبات.
هذا الذي أردت أن أبيّنه هنا من قول ابن الغرس في أبياته التي شرحها ابن عابدين.
أهمية القضاء:
ابن فرحون في كتاب (تبصرة الحكّام) كتب مقدمةً في غاية الروعة في هذا الموضوع من أهمية القضاء، ولعظم قدر هذا القضاء حتى عندما نتكلّم في شروط القاضي فيما بعد تفهم لماذا القضاة اهتموا بهذا العلم. يقول: «ولما كان علم القضاء من أجلّ العلوم قدرًا، وأعزّها مكانًا، وأشرفها ذكرًا؛ لأنه مقام عليٌّ ومنصب نبويٌ، وبه الدماء تُعصم وتُسفح. -تُعصم أي من القتل، وتُسفح أي يُهدر ويُقتل، يحكم بالقتل ويحكم بالقود وبالقصاص-. والأبضاع تُحرم وتُنكح -ممكن القاضي يُحرم، يعني بالأدلة، لكن القاضي لا يحل كما قلت لكم وكما قال ابن عبد البر في (الاستذكار) : القاضي لا يحلّ حلالًا ولا يحرم حرامًا. القاضي عليه أن يحكم بما ظهر أمامه، وقد يكون في الباطن، الحكم خلاف ذلك. وسنتكلّم عنها في قضية علم القاضي إن شاء الله.
«وَالْأَمْوَالُ يَثْبُتُ مِلْكُهَا وَيُسْلَبُ، وَالْمُعَامَلَاتُ يُعْلَمُ مَا يَجُوزُ مِنْهَا وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيُنْدَبُ، وَكَانَتْ طُرُقُ الْعِلْمِ بِهِ خَفِيَّةَ الْمَسَارِبِ مَخُوفَةَ الْعَوَاقِبِ، وَالْحِجَاجُ الَّتِي يُفْصَلُ بِهَا الْأَحْكَامُ مَهَامِهُ يَحَارُ فِيهَا الْقَطَا. -يعني يقصد يحار بها العقل-. وَيَقْصُرُ فِيهَا الْخُطَا، كَانَ الِاعْتِنَاءُ بِتَقْرِيرِ أُصُولِهِ وَتَحْرِيرِ فُصُولِهِ. -يقصد بتحرير علم القضاء-. مِنْ أَجَلِّ مَا صُرِفَتْ لَهُ الْعِنَايَةُ وَحُمِدَتْ عُقْبَاهُ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ.
وقال مالك بن أنس -انظروا إلى هذا الكلام الذي قاله، الذين يريدون أن يدرسوا علم القضاء انظروا ماذا كانوا يفعلون أيام الصحابة، وأيام السلف، وأيام التابعين-. وقال مالك بن أنس -رضي الله عنه-: كان الرجال يقدمون إلى المدينة من البلاد ليسألوا عن علم القضاء وليس كغيره من العلوم، ولم يكن بهذه البلدة أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن -أحد التابعين- كان قاضيًا لعمر بن عبد العزيز وكان قد أخذ شيئًا من علم القضاء من أبان