وللذكر فإن القرافي أشار إلى ذلك في (الفروق) ، ولكن الآن لا بأس أن نذكر كلام ابن تيمية لأنه واضح: «شروط القضاء تتغير حسب الإمكان، وتجب تولية الأمثل فالأمثل فيُولى لِلْعدم: أنفع للفاسقين» . أي لو كانت البلد فاجرة وكلها من الفاسقين، نأتي بأنفع الفاسقين، أي أقلهم فسقًا وشرورًا، فيقضي بينهم.
«فيولى لعدمٍ أنفع الفاسقين وأقلهم شرا وأعدل المقلّدين» . يعني لو كل الذين في القرية مقلدة ولا يوجد واحد مجتهد؛ فنأتي إلى أعدل المقلّدين وأعرفهم بالتقليد، يعني الذي يفهم موضوع التقليد، حتى لا تضيع دماء الناس هدرًا، وحتى لا تضيع الحقوق. فحتى في الشر والبلد شريرة نأخذ أقلّ الناس شرًا «وإلا لتعطّلت أحكام الناس مع الحاجة الداعية إلى ذلك» .
هذا كلام نفيس ومهم، ويصلح في زماننا بصفة خاصة أيضًا في هذه الحال، وسنتكلم عنها إن شاء الله.
إذًا حكم القضاء كما قلنا هو فرض كفاية، وسنتكلّم أيضًا عن أهمية القضاء.
أهمية القضاء من الناحية الشرعية
ما فائدة هذا القضاء؟ قبل أن نتكلّم عن أهمية القضاء نتكلّم معكم على كلام مهم ذكره ابن عابدين في (حاشيته) في موضوع شروط القضاء.
قلنا: القضاء معناه فصل الخصومات وقطع المنازعات. ولا مشاحة في التغيير، يعني لو واحد شافعي أو واحد حنبلي أو مالكي أو غيره له تعريف ستجد أن التعريفات متقاربة في هذا الأمر، ربما يزيدون فقط من سلطة، من ولاية، من إلزام، وهكذا التعريفات كلها تدور في هذا الموضوع، لا مشاحة ولا بأس في هذا. المهم أننا اخترنا تعريفًا سهلًا هو «فصل الخصومات وقطع المنازعات» .
لأننا عندنا في القضاء كما ستعلمون فيما بعد في القضاء العادي هذا الذي تسمعون عنه يوجد قضايا المظالم، وقضاء عسكري، وقضاء الحسبة، والتحكيم -وهذا التحكيم اختياري وسنتكلم عنه في وقته إن شاء الله ولكنه مسألة سهلة-، لكن نحن نتكلم عن القضاء الملزم الذي يفصل الخصومات، يقطع المنازعات، ويحسم النزاع، هذا الذي نتكلم فيه الآن.
أركان القضاء: