يحلّ حرامًا، لأن الحرام في الباطن أن هذين الشاهدين يعلمان أن هذه المرأة ليست امرأة هذا الرجل، وأن هذا الرجل يعلم حقيقة أن هذه ليست زوجته، وكذلك المرأة. ففي هذه الحالة حتى لو حكم القاضي له بذلك فلا يجوز للمرأة أن تمكّن نفسها لهذا الرجل، ولا يجوز أن يأخذوا هذا الحكم على أنه حكم في الظاهر. وهذا رأي جماهير العلماء.
لكن الأحناف لهم وجهة نظر للأسف يقولون هذا أنشأ حكما في الظاهر فيؤخذ به. وهذا كلام باطل طبعًا وردّ عليه العلماء.
أعطيك الصورة بطريقة أخرى، نفترض جاء شاهدا زور وشهدا أمام القاضي زورًا أن فلانًا طلّق هذه المرأة، فحكم القاضي بتطليق المرأة من هذا الرجل زوجها رغم أنه لم يطلّقها. وكان الرجل غائبًا أو في أي شيء. فهذا في الباطن حرام، لكن في الظاهر هذا حكم صحيح. ولكن تخيّل لو واحد من شاهدي الزور بعد انتهاء عدة المرأة طبقًا للحكم القضائي ظاهر الصحة ذهب ليتزوجها، فهذا الزواج باطل وزنا لو هو فعل ذلك. هو يعلم في حقيقة نفسه أن هذه المرأة لا تزال زوجة لزوجها، وأن زوجها إما كان غائبًا أو أنه كان موجودا وليس عنده شهود ويقسم أنه لم يطلّق وهؤلاء يقولون إنه طلّق أمامنا. ففي هذه الحالة لو طلّقها القاضي وأراد واحد من الشهود أن يتزوجها فهل يجوز له ذلك؟ من ناحية الباطن لا يجوز. وهم ارتكبوا جريمة، وهذا عند الله -سبحانه وتعالى- زنا، وهؤلاء شاهدا زور. ولكن في حكم الظاهر أن المرأة مطلّقة وأن عدتها انتهت مثلًا وأن من حق هذا الشاهد أن يتزوّجها رغم أنه يعلم حقيقة أن المرأة لا تزال على ذمّة زوجها، وأن زوجها لم يطلّقها.
هذا هو تفسير مسألة أن القاضي لا يحلّ حرامًا ولا يحرّم حلالًا، وأنه يكشف فقط طبقًا للأدلّة الظاهرة، واستنادً إلى حديث الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ) .
ونأتي إلى مثال آخر، نفترض جاء شاهدا زور أمام القاضي وظاهرهما العدل، لا أحد طعن فيهما ولا غيره، وشهدا أمام القاضي أن فلانًا هذا أقرض فلانًا مبلغًا من المال وحكم القاضي بهذا المبلغ من المال أن يسدده هذا الرجل. في هذه الحالة رغم أن الرجل لم يستدن منه شيئًا، ولا يوجد مال ولا شيء، وهذا الرجل افترى عليه وجاء بشاهدي زور لكن هما شاهدا عدل أمام الناس، يعني ظاهرهما العدالة، ففي هذه الحالة حكم القاضي بالظاهر.