وأيضًا مثال لمخالفة النص يقول: «وَمِثَالُ مُخَالَفَةِ النَّصِّ إذَا حَكَمَ بِشُفْعَةِ الْجَارِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ وَارِدٌ فِي اخْتِصَاصِهَا بِالشَّرِيكِ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ مُعَارِضٌ صَحِيحٌ، فَيُنْقَضُ الْحُكْمُ بِخِلَافِهِ» . هذا الكلام لو واحد طالب علم مبتدئ يقرأه سيقرأه على أنه مسلَّم به، يجب الحذر الشديد في كتب القضاة، لأن هذا مثلًا قاضي مالكي، والآخر شافعي، والقاضي الآخر حنبلي مثل الإمام أبو يعلى الفرّاء، فستجد أشياء تظنّ أن فيها إجماع، أو أنها صحيحة على الإطلاق مثل هذا الموضوع. الشفعة يعني فيه اثنان شركاء في أرض، وواحد يريد أن يبيع حصّته، فمن حقّ الشريك المشترك معه في الأرض أن يشتري هذه الحصة التي ستُباع ويضمها إليه. لأنه سيأتي له بواحد آخر ممكن يكون سيئًا أو لا يتفق معه، فهو أولى أن يشتريها هو كلها لنفسه ويدفع المال.
قالوا هذا في الشريك أما في الجار فالحديث يقول الشريك ولا يقول الجار. طبعًا هذا الكلام الذي قالوه هو عند المالكية فقط، وليس عند بقية المذاهب. هناك خلاف كبير في هذه المسألة، لأن فيه عدة أحاديث، واعتراضات، وتضعيف وتصحيح؛ فمنهم من يجيز شفعة الجار، وأن الجار أيضًا يُعتبر شريكا، وهناك من لا يجيز. حتى في المذهب الواحد في الشافعية والحنابلة عندهم من يجيز وعندهم من لا يجيز.
إذًا المسألة ليست إجماعًا عكس ما يُتصوّر، وأن النص في حدّ ذاته محل نزاع. يعني حتى المثال الذي عرضه واستشهد به الإمام ابن فرحون فيه نزاع، يعني كان من الأولى أن يستشهد بنص في مخالفة الربا، لو أن قاضيًا حكم في صحة عقد فيه شرط ربا مثلًا وقال هذا عقد صحيح، أو أن رجلًا مدعيًا ادّعى على شخص آخر في عقد بيع وطالب بأن يردّ له البيع بالفوائد الموجودة في العقد فحكم القاضي بصحة العقد وحكم بردّ المبالغ المتأخرة على هذا العقد بموجب أنه عقد ربوي. هنا هذا مخالف للنص {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ، فلو حكم قاض بذلك فإنه يُنقض، وأي إنسان يستطيع أن يتظلّم ويلجأ إلى نقض هذا الحكم لأنه مخالف لصريح الآية. وهكذا في كل النصوص الشرعية المعروفة، مثل واحد كسر لواحد زجاجة خمر فيلجأ للقاضي فالقاضي يغرّمه ثمن زجاجة الخمر ويقول له أنت عليك أن تشتري له زجاجة خمر بدل التي كُسرت، فهذا حكم باطل يُنقض في هذه الحالة، لأنه يخالف تحريم الخمر.
إذًا هذه مخالفة للنص والإجماع، لو قاضي حكم في هذه الحالة فإنه يُعتبر حكمه كأن لم يكن، ويُنقض حكم هذا القاضي لأنه خالف النص.