الصفحة 253 من 277

ولأن الكتاب والسنة أصلٌ للإجماع، يعني لا يوجد إجماع هكذا مجرّد، الإجماع لا بد له من مستند؛ فلذلك إذا خالف القاضي الكتاب والسنة أو الإجماع ففي هذه الحالة يُنقض حكمه؛ سواء ينقضه بنفسه، أو المتظلّم أو المضرور يلجأ إلى قاض آخر فينقضه، أو يتظلّم لولي الأمر أو غيره، فإنهم ينقضون حكمه إذا خالف نصًا أو إجماعًا أو قياسًا جليًا أو حسب ما هو مقرر ومعلوم.

أما المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الاجتهاد ففي هذه الحالة لا يُتعقّب على القاضي، وإلا فسدت أحوال الناس، ولا يستقرّ الحكم. كل واحد سيتظلّم من الاجتهاد، والعلماء لديهم اجتهادات كثيرة جدًا، ففي هذه الحالة كل واحد لا يعجبه شيئا سيطعن في الأحكام ولن تستقرّ أحوال الناس.

وهنا مسألة طرحها أيضًا الإمام الماوردي عندما قال: هَلْ يَتَعَقَّبُ الْقَاضِي حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ؟ يعني هناك قاضي جديد، هل هو يقلّب ويفتّش عن أحكام القاضي القديم وينقضها مثلًا؟

هذه المسألة أثارها الإمام المزني عندما قال: « (مَسْأَلَةٌ) : قال الشافعي: «وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَتَعَقَّبَ حُكْمَ مَنْ قَبْلَهُ وَإِنْ تَظَلَّمَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ نُظِرَ فِيهِ فَرَدَّهُ أَوْ أَنْفَذَهُ عَلَى مَا وَصَفْتُ» . في هذه الحالة القاضي الجديد لا يفتّش عن الأحكام، الأصل أنه قاضي عدل وأن أحكامه صحيحة، طالما لم يشك منه أحد ولم يتعرّض له أحد بدليل واضح أو ببيّنة واضحة أنه خالف الكتاب أو السنة أو الإجماع.

طيب نفترض واحد من المضرورين في الدعوى تظلّم إلى القاضي الجديد وطلب نقض الحكم للقاضي القديم. هنا في هذه الحالة كما يقول الإمام الشافعي يجوز في هذه الحالة أن يتعرّض القاضي الجديد لهذا الموضوع.

ولذلك الإمام الماوردي يقول: «وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا تَقَلَّدَ عَمَلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَقَّبَ أَحْكَامَ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا يَتَتَبَّعَهَا لِأَمْرَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا نُفُوذُهَا عَلَى الصِّحَّةِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَاظِرٌ فِي مُسْتَأْنَفِ الْأَحْكَامِ دُونَ مَاضِيهَا.

فَلِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا.

فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَقَّبَهَا مِنْ غَيْرِ مُتَظَلِّمٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي جَوَازِ ذَلِكَ لَهُ - وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ - عَلَى وَجْهَيْنِ». يعني هناك رأيان عند الشافعية؛ هناك من يجيز من باب الاحتياط، والبعض الآخر يقول: لا يجوز له أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت