يقول: «فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَدَّهُ عَنْهُ قَبْلَ نُفُوذِ حُكْمِهِ بِهِ. -يعني سيدنا علي بن أبي طالب نقض هذا الحكم قبل التنفيذ-.
وَالثَّانِي: نَقَضَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ نُفُوذِهِ، لِأَنَّهُ خَالَفَ فِيهِ ظَاهِرَ النَّصِّ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ} [النساء: 12] ».
يعني يقول هو نقضه عليه لأن القاضي شريح خالف ظاهر النص. أما الذي يجتهد اجتهادً مسوغًا، وفي مسألة يسع فيها الاجتهاد فقالوا لا يُنقض هذا الحكم.
إذًا يجوز للقاضي الذي حكم أن ينقض حكم نفسه بنفسه إذا خالف نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًا، أو قواعد معمول بها فقهية عامة. وهذا سنحاول أن ندلل عليه كما ذكرها الإمام ابن فرحون في (تبصرة الحكام) .
ولكن الإمام الماوردي أعطانا أمثلة كثيرة في أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- كان يفعل ويرد الشيء، يقول الأصل في هذا الموضوع: الدليل قوله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] . يَعْنِي إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ الرَّسُولِ. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ) .
ويقول: وَلِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَدَلَ عَنِ اجْتِهَادِهِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ حِينَ أَخْبَرَهُ حَمَلُ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قَضَى فِيهِ بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ.
وَكَانَ لَا يُوَرِّثُ امْرَأَةً مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا حَتَّى رَوَى لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَرَّثَ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا، فَوَرَّثَهَا عُمَرُ.
وَكَانَ يُفَاضِلُ بَيْنَ دِيَاتِ الْأَصَابِعِ حَتَّى رُوِيَ لَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - قَالَ: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ» . يعني نقض ما كان يقضي به.
ولذلك في وصيّة سيدنا عمر التي قرأناها في مقدمة هذه الدورة التي أوصاها عمر لأبي موسى الأشعري لما قال له: «لَا يَمْنَعُكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ أَمْسِ فَرَاجَعْتَ الْيَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وَهُدِيتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ» .
يقول الماوردي: «وَهَذِهِ كُلُّهَا آثَارٌ لَمْ يَظْهَرْ لَهَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَتْ إِجْمَاعًا» .