أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْطِئَ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخْطِئَ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
فَإِنْ أَخْطَأَ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ وَهُوَ أَنْ يُخَالِفَ أَوْلَى الْقِيَاسَيْنِ مِنْ قِيَاسِ الْمَعْنَى الْخَفِيِّ أَوْ أَولَاهُمَا مِنْ قِيَاسِ التَّقْرِيبِ فِي الشَّبَهِ كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا». يعني نفترض أنه خالف حكمًا في مذهب آخر أو لقاض آخر في مسألة خلافية في قياس خفي، ففي هذه الحالة حكمه يكون نافذًا. «وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ بِهِ نَافِذًا -أيضًا لو خالفوه في مسألة فيها قياس خفي- لَا يُتَعَقَّبُ بِفَسْخٍ وَلَا نَقْضٍ» . يعني هذا إذا كانت المسألة فيما يسوغ فيه الاجتهاد.
وضربوا لذلك أمثلة، قال: «فَإِنَّ عُمَرَ لَمْ يُشَرِّكْ فِي عَامٍ وَشَرَّكَ فِي عَامٍ فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تُشَرِّكْ فِي العام الْمَاضِي بَيْنَ وَلَدِ الْأُمِّ وَبَيْنَ وَلَدِ الْأَبِ وَالْأُمِّ فَكَيْفَ تُشَرِّكُ الْآنَ؟» فقال قولته الشهيرة سيدنا عمر: «تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا قضينا» . يعني يضربون مثلًا أن سيدنا عمر حكم قديمًا بأنه شرّك ومرة لم يشرّك. وشرّك يعني جعل الإرث بين ولد الأم وبين ولد الأب والأم، مرة فعلها ومرة لم يفعلها. فقال «تلك على ما قضينا وهذه على ما قضينا» يعني لم ينقض حكمه، لأنها كان فيها اجتهاد مسوّغ عنده في ذلك الوقت.
ويقول أيضًا الإمام الماوردي: «وَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي الْعَطَاءِ وَلَمْ يُفَضِّلْ بِالسَّابِقَةِ وَقَالَ:» إِنَّمَا عَمِلُوا لِلَّهِ وَإِنَّمَا أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ، وَلَمْ يَفْرِضْ لِلْعَبِيدِ مَعَ سَادَاتِهِمْ.
وَفَضَّلَ عُمَرُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالسَّابِقَةِ وَفَرَضَ لِلْعَبِيدِ». يعني كان يعطي لمن هو أسبق، يعني أهل بدر لهم مكانة، بيعة الرضوان لهم مكانة، ثم أهل فتح مكة، إلى السابقين، إلى أولاد الصحابة، هكذا كان ينزلهم منازلهم ولا يساوي بينهم كما كان يفعل سيدنا أبو بكر. وكله اجتهاد مسوّغ.
«وَلَمْ يَنْقُضْ بَعْضُهُمْ حُكْمَ بَعْضٍ لِنُفُوذِهِ بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ» . يعني سيدنا عمر لم ينقض حكم سيدنا أبي بكر، وينقض معناها ممكن يرجعهم مرة أخرى يأخذ منهم المال. وصار هذا اجتهادا سائغا واجتهاد سيدنا عمر اجتهادا سائغا.
يقول الإمام الماوردي أيضًا: «فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَقَضَ عَلِيٌّ حُكْمَ شُرَيْحٍ فِي ابْنَيْ عَمِّ أَحَدِهِمَا أَخٌ لِأُمٍّ حِينَ حَكَمَ بِالْمِيرَاثِ لِابْنِ الْعَمِّ الَّذِي هُوَ أَخٌ لِأُمٍّ وَأَجْرَاهُمَا مَجْرَى أَخَوَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَبٍ وَالْآخَرُ لِأَبٍ وَأُمٍّ» . يعني سيدنا علي بن أبي طالب نقض حكم شريح في ابني العم هذين.