أحيانًا كان قديمًا القاضي يذهب مع المحكوم له ويشرف على التنفيذ، ويستدعي رجال الشَرطة ورجال الأمن لتنفيذ الحكم.
ولكن هو الأصل القاضي يحكم فقط، أما التنفيذ فهو لولي الأمر ويرسل حكمه لتنفيذه عن طريق رجال الشرطة فينفذون ذلك. ولكن كان قديمًا هذا مقبولًا، وكان أحيانًا كان القاضي فعلًا يشرف بنفسه وخاصة في القضايا مثل تعنّت بعض الولاية وتعنّت بعض الأثرياء أو الذين لهم سند من بعض السلاطين أو الخلفاء، فكان يأتي بنفسه للإشراف على تنفيذ الحكم ويأتي معه حتى لا يُظلم أحد عنده ولا يتحايل أحد على تنفيذ حكمه.
لكن هذا الحكم الذي أصدره القاضي في هذه الحالة هل يحقّ لمن تضرّر من هذا الحكم أن ينقض حكم القاضي؟ يعني يعترض على حكم القاضي؟ ومن له حقّ هذا الاعتراف وحقّ هذا النقض؟ وهل للقاضي نفسه أن ينقض حكمه بنفسه إذا تبيّن أنه قد أخطأ؟ أو هل يحقّ لقاض آخر أن ينقض حكم قاض آخر؟ وهل هناك جهة معيّنة هي التي تقوم بنقض هذه الأحكام طبقًا للشريعة الإسلامية؟ نحن نعلم حاليًا أن الأنظمة الحالية الوضعية لها أطر ولها قواعد معيّنة في مسألة نقض الأحكام واستئناف الأحكام، لكن في الشريعة الإسلامية ما هي الطريقة وما هي الآلية التي يتم بها الاعتراض على حكم القاضي؟
العلماء طبعًا قديمًا لم يتركوا هذا الأمر وتكلّموا فيه وناقشوه في كتبهم، ومن أقدم من تكلّم كان الإمام الماوردي في (أدب القاضي) في كتابه (الحاوي الكبير) ، وأنا عرّفت لكم هذا الكتاب عندما كنا نتكلّم عن المراجع في مقدمة هذه الدورة فكان يشرح مختصر الإمام المزني على فقه الشافعي، فيقول الماوردي في نقض الحكم:
« (مسألة) :
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنِ اجْتَهَدَ مِنَ الحكام فقضى باجتهاده ثُمَّ رَأَى أَنَّ اجْتِهَادَهُ خَطَأٌ أَوْ وَرَدَ عَلَى قَاضٍ غَيْرِهِ فَسَوَاءٌ فَمَا خَالَفَ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ مَا فِي مَعْنَى هَذَا ردَّهُ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَمْ يَرُدَّهَ وَحَكَمَ فِيمَا اسْتَأْنَفَ بِالَذِي هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ». هذا كلام الإمام المزني.
يقول الماوردي -وهو توفي سنة 450 ه، وهو صاحب كتاب (الأحكام السلطانية) الشهير، ولكن هذا كتابه من أفضل الكتب وعمدة من عمدة كتب الفقه عند الشافعية كتاب (الحاوي الكبير) : «وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا بَانَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ أَوْ بَانَ لَهُ أَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْقُضَاةِ قَدْ أَخْطَأَ فِي حُكْمِهِ فَذَلِكَ ضَرْبَانِ: