مثل مدينة القاهرة، مدينة لندن، مدينة مزدحمة، أو مدن كبيرة على مستوى العالم وواحد قُتل فيها، فسنحلّف من؟ ونقسم على من؟ في هذه الحالة لو وُجد قتيل فلا نستطيع أن نجري القسامة ولا غير ذلك، فهذا ديته على بيت مال المسلمين. هذا نعرف أن فلانًا هذا من قبيلة كذا أو من عائلة كذا فإنه يُعطى الدية من بيت المال لأننا لا نستطيع أن ننسب إلى أي مجموعة بشرية في هذه الحالة من هو الذي قتله. خاصة في المدن الكبرى وأماكن الزحام والتي لا يوجد عداوة ظاهرة فيها.
وأما الأحناف طبعًا لم يشترطوا اللوث في القسامة، وحجّتهم في ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (يحلفون خمسين لكم) ولم يذكر اللوث. يعني هم قالوا إنه في حديث سهل بن أبي حيثمة لم يوجد أي دليل على اللوث. لكن هذا الكلام مردود عليها؛ لأن اللوث كان موجودًا، أن أهل خيبر ديانة، وأهل الأنصار ديانة، هؤلاء يهود وهؤلاء مسلمون في عداوة إذًا هناك لوث، والقتيل قُتل عند خيبر.
إذًا أستطيع أن أقول: لقد اتفق معظم الفقهاء على اشتراط اللوث لوجوب القسامة إلا الأحناف؛ فإنهم لم يشترطوا اللوث، فمجرّد وجود قتيل فهو على أهل المكان الذي وُجد فيه بشرط أن يكون به أثر كما قال الإمام السرخسي في (المبسوط) : «والقتيل عندنا كل ميّت به أثر، فإن لم يكن به أثر فلا قسامة فيه، ولا دية إنما هذا ميت، لأن حكم القسامة ثبت شرعًا في المقتول، والمقتول إنما مات حتف أنفه بالأثر، فمن لا أثر به فهو ميت فلا حاجة بنا إلى صيانة دمه عن الهدر بخلاف من به أثر» . هذا هو رأي الأحناف. يعني واحد يمشي في الشارع مات لوحده هكذا، فهل سنعطيه دية؟! إذًا نحن نقصد الذي يُقتل وبه أثر.
إذًا لا يشترطون اللوث بوجود عداوة هو يكفي أن فيه أثر. يعني ممكن نعتبرها نحن أن وجود الأثر هو لوث.
لكن كلام السرخسي إذا كان مقبولًا قديمًا فإنه غير مجد في عصرنا الحالي، حيث من الممكن أن تُحلل جثة المتوفى ويستطيع خبراء المعمل الجنائي التوصّل إلى كيفية زهوق روح المتوفى هل مات بالخنق أم بالسم أم مات موتًا طبيعيًا. وهذا إن شاء الله سنتناوله في موضوع الوسائل الحديثة، نمرّ عليها مرورًا سريعًا كوسائل الاستعراف الحديثة؛ الاستعراف بالكلب البوليسي، الاستعراف عن طريق بصمة الأصابع، أو عن طريق حمض نووي DNA، نعطيكم فكرة للقاضي الشرعي عندما يتصدّى لمثل هذه الحالات.