الصفحة 223 من 277

وابن رشد يقول: «وأما القائلون بها وبخاصة مالك فرأى أن سنة القسامة منفردة بنفسها مخصصة للأصول كسائر السنن المخصصة» .

وابن حزم وضّحها أكثر فقال في (المحلّى) : «والقول عندنا هو ما قلناه من أن البيّنة في الدعاوى كلها دماء كانت أو غيرها سواء. واليمين في كل ذلك سواء؛ يمين واحدة فقط على من ادّعي عليه، إلا في الزنى والقسامة؛ ففي الزنا أربعة من الشهود فصاعدًا لا أقلّ للنص الوارد في ذلك خاصة وفي القسامة خمسون يمينًا لا أقلّ للنص الوارد في ذلك -يعني لا يقل عن خمسين يمينًا، وهي خمسون يمينًا تُقسم على خمسين رجلًا، لكن إذا لم يوجد إلا عشرون رجلًا، فتُقسم الخمسون على العشرين-. يقول ابن حزم: وبقي كل ما عدا ذلك على عموم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بيّنتك أو يمينه ليس لك إلا ذلك) . وعلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على من ادّعي عليه) فلا يخرج من هذا إلا ما أخرجه النص» .

أنا لا أريد أن أطيل في الآراء ولكن يعجبني قول الإمام الكاساني، وهو إمام حنفي كبير، في كتابه (بدائع الصنائع) يقول: «وأما بيان سبب وجوب القسامة والدية فنقول سبب وجوبهما هو التقصير في النصرة، وحفظ الموضع الذي وُجد فيه القتيل ممن وجب عليه النصرة والحفظ، لأنه إذا وجب عليه الحفظ فلم يحفظ مع القدرة على الحفظ صار مقصّرًا بترك الحفظ الواجب فيؤاخذ بالتقصير زجرًا عن ذلك وحملًا على تحصيل الواجب، وكل من كان أخصّ بالنصرة والحفظ كل أولى بتحمل القسامة والدية لأنه أولى بالحفظ فكان التقصير منه أبلغ، ولأنه إذا اختُصّ بالموضع ملكًا أو يدًا بالتصرّف كانت منفعته له فكانت النصرة عليه، إذ الخراج بالضمان على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال تبارك وتعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} . ولأن القتيل إذا وُجد في موضع اختص به واحد أو جماعة إما بالملك أو باليد وهو التصرّف فيه فيتهمون أنهم قتلوه، فالشرع ألزمهم القسامة دفعًا للتهمة، والدية لوجود القتيل بين أظهرهم» .

يعني واحد وُجد مقتولًا في قرية، أو في مكان معين، ولا نعرف قاتله؛ إذًا أهل القرية هؤلاء جميعًا يتحمّلون القسامة ويتحمّلون الدية، لأن هذا فيه زجر وعدم تضييع للدماء، حتى يحفظوا الحقوق. لأن كل من سيدفع المال فيما بعد ذلك سيبحث بنفسه ليضرب على أيدي السفهاء منهم او أيدي المخاطرين أو أيدي المجرمين أو ليرشد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت