الصفحة 222 من 277

هم يرون أن القسامة كانت في أيام الجاهلية، نعم كانت في أيام الجاهلية ولكن الرسول أقرّها.

ويقول ابن رشد: «وعمدة الفريق النافي لوجوب الحكم بها أن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحّتها؛ فمنها أن الأصل في الشرع ألا يحلف إلا على ما علم قطعًا أو شاهد حسًّا. وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم وهم لم يشاهدوا القتل، بل قد يكونون في بلد، والقتل في بلد آخر» .

-وهناك رواية طويلة جدا في الصحيح والعلماء ردّوا عليها وابن حجر شرحها في الصحيح وغيره، ولكن لا أريد أن أطيل في هذه المسألة، لأن الرأي الراجح هو رأي الجمهور.

وابن حزم ردّ عليهم في ذلك وأبدع صراحة في هذا الموضوع، قال: «وأجيب بأن القسامة أصل من أصول الشريعة مستقلّ لورود الدليل بها، فتخصص بها الأدلة العامة، وفيها حفظ للدماء، وزجر للمعتدين، ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في حديث سهل بن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقًا؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- قد عرض على المتخاصمين اليمين، وقال إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا بحرب كما في رواية متفق عليها، وهو لا يعرض إلا ما كان شرعًا. وأما دعوى أنه قال ذلك للتلطّف بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية فباطلة. كيف وفي حديث أبي سلمة المذكور في الباب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية» . والحديث في صحيح مسلم: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْصَارِ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّ الْقَسَامَةَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ» إذًا ليس من باب التلطّف بل هو شرع.

الإمام القرطبي يقول في هذه المسألة: «الأصل في الدعاوى أن اليمين على المدّعى عليه، وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذّر إقامة البيّنة على القتل فيها غالبًا؛ فإن القاصد للقتل يقصد الخلوة، ويترصّد الغفلة، وتأيّدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها -رواية سهل بن أبي حثمة-، وبقي ما عدا القسامة على الأصل، ثم ليس ذلك خروجًا عن الأصل بالكليّة، بل لأن المدّعى عليه إنما كان القول قوله لقوّة جانبه بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادّعي عليه، وهو موجود في القسامة في جانب المدّعي لقوّة جانبه باللوث الذي يقوّي دعواه» . ونحن سنعرّف لكم ما معنى اللوث فيما بعد، لأن العلماء قالوا ليست أي قسامة، لا بد يكون فيه لوث، يعني فيه شبهة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت