الصفحة 221 من 277

وأيضًا نلاحظ من خلال هذا الحديث أنه يجوز للقاضي وكان هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه القضية أن يتّجه إلى القسامة، وهي حلف خمسين يمينًا إلى أولياء الدم؛ فإن حلفوا على شخص معين لزمه القتل، وكان القتل ثابتًا عليه، ومن الواضح أن يقتضي أن يُعلم القاتل، يعني هم يقولوا هذا هو القاتل، ويحلفون على أنه هو القاتل، فيُقاد بهذا الذي قُتل.

وإذا رفض أولياء الدم أن يحلفوا فإنه تُوجه اليمين إلى أهل المكان، المحلّة، الحي الذي وُجد فيه هذا القتيل ولا نعرف من قتله، توجّه إليهم هذه الأيمان، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- عرض ذلك على أولياء الدّم فرفضوه لظنّهم أنهم سيحلفون كذبًا. هم عليهم أن يقسموا خمسين يمينًا، توزع الخمسون هذه على خمسين منهم أو على حسب العدد الموجود في المحلّة من الرجال منهم، فتُقسّم هذه الأيمان على عدد من الرجال منهم، أو على خمسين رجلًا. يعني إذا افترضنا أنه لم يوجد إلا ثلاثون منهم، فتُكرّر الأيمان على البعض؛ يعني بعضهم يقسم مرة والآخر يقسم مرتين وهكذا. يقسمون على أنهم ما قتلوا هذا القتيل ولا يعرفون قاتله.

فإذا لم يكن إثبات ولا إجراء قسامة في هذه الحالة. نفترض أن هؤلاء لم يحلفوا وهؤلاء لم يحلفوا، فهل يضيع دم القتيل هدرًا هكذا؟ لا، في هذه الحالة تكون الدية من بيت مال المسلمين حتى لا يُهدر دم في الإسلام.

إذًا هؤلاء هم الذين يرون مشروعية القسامة.

الرأي الثاني: عدم مشروعية القسامة.

أنصار هذا الاتجاه الذين ينكرون القسامة هم جماعة من السلف منهم أبو قلابة، وسالم بن عبد الله، والحكم بن عتيبة، وقتادة، وسليمان بن يسار، وإبراهيم بن عليّة، ومسلم بن خالد، وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه ومن المنكرين للقسامة أيضًا الناصر من الزيدية.

أدلّة أصحاب هذا الرأي:

-قالوا: القسامة غير ثابتة لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه: منها أن (البيّنة على المدّعي واليمين على المنكر) في أصل الشرع. ومنها أن اليمين لا يجوز إلا ما علمه الإنسان قطعًا بالمشاهدة الحسّية أو ما يقوم مقامها، وأيضًا لم يكن في حديث الباب حكم بالقسامة، وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية فتلطّف لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ليريهم كيف بطلانها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت