يعني واحد يموت وأراد أن يوصي، وهو جالس في بلاد غريبة أو بعيد عن المسلمين ولا يوجد حوله رجال مسلمون فماذا يفعل؟ ممكن يوصي ويشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب من النصارى أو من اليهود وهكذا.
ونلاحظ أن الإمام السرخسي له كلام جميل في التعليل الذي ذكرته، علّل لماذا لا تُقبل شهادة غير المسلم على المسلم، وهو تعليل صحيح وعادل؛ لأن العداوة في الدين أقلّ ما يُقال فيها أنها مظنّة التهمة، والشهادة لا بد أن تكون واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار كما قول العرب.
كما أن الكفار تجوز شهادة بعضهم على بعض، كما قال السغدي: «وتجوز شهادة الذمي على الذمي سواء كانت لمسلم أو لذمي» ، «وشهادة أهل الكفر بعضهم على بعض جائزة وإن اختلفت مللهم» ، كما أن غير المسلم له ولاية على أولاده وأمواله في دولة الإسلام فشهادته عليهم أولى.
يعني واحد نصراني في دولة الإسلام مثلًا وهو مؤمّن عندهم وله ولاية على أولاده النصارى، فلما يشهدوا لبعضهم البعض فهي من باب أولى هنا. إذًا شهادة الكافر على المسلم تؤخذ في حالة الوصية في السفر وهي في حالة إذا لم يكن هناك مسلمون حاضرون. لا يوجد رجلان مسلمان يحضران حالة الوفاة، أو أن الرجل أراد أن يوصي قبل أن يموت، فلا يوجد أمامه إلا هؤلاء الكفار: فإنه يجوز قبول ذلك بنصّ القرآن ويُقبل أمام القاضي.
أما غير ذلك فلا تُقبل شهادة كافر إطلاقًا، لا في الدماء، ولا في المداينات، ولا في أي شيء من هذه القضايا باستثناء السفر فقط.
عدالة الشهود:
هؤلاء الشهود لهم شروط أيضًا. قالوا الشاهد لا بد أن يكون عدلًا. ما معنى عدالة الشهود؟
قال الرازي: « (الْعَدْلُ) ضِدُّ الْجَوْرِ يُقَالُ: (عَدَلَ) عَلَيْهِ فِي الْقَضِيَّةِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ فَهُوَ (عَادِلٌ) . وَبَسَطَ الْوَالِي عَدْلَهُ وَ (مَعْدَلَتَهُ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا. وَفُلَانٌ مِنْ أَهْلِ (الْمَعْدَلَةِ) بِفَتْحِ الدَّالِ أَيْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَرَجُلٌ (عَدْلٌ) أَيْ رِضًا وَمَقْنَعٌ فِي الشَّهَادَةِ» .