قال الإمام السرخسي: «اشْتِقَاقَ الشَّهَادَةِ مِنْ الْمُشَاهَدَةِ وَهِيَ الْمُعَايَنَةُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ السَّبَبَ الْمُطْلَقَ لِلْأَدَاءِ الْمُعَايَنَةُ سُمِّيَ الْأَدَاءُ شَهَادَةً وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ لِلشَّاهِدِ «إذَا رَأَيْت مِثْلَ هَذِهِ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» -كما قلت لكم يستدلّون بنفس الحديث وهو ضعيف- وَقِيلَ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَعْنَى الْحُضُورِ يَقُولُ الرَّجُلُ شَهِدْت مَجْلِسَ فُلَانٍ أَيْ حَضَرْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ} [البروج: 7] -يعني حاضرين-».
قال ابن حجر العسقلاني: «وهي مصدر شهد يشهد. قال الجوهري: الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذة من الشهود أي الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره، وقيل مأخوذ من الإعلام» .
وفي (درر الحكام) يقول: «فَالشَّهَادَةُ لُغَةً عِبَارَةٌ عَنْ الْخَبَرِ الْقَاطِعِ وَهِيَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِنْ الشَّهَادَةِ الَّتِي هِيَ الْمُعَايَنَةُ وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «إذَا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَتَسْمِيَةُ الْإِخْبَارِ فِي حُضُورِ الْقَاضِي عَنْ صِفَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْمُدَّعَى بِهِ شَهَادَةً يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ حَيْثُ أُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ أَوْ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الشُّهُودِ وَمَعْنَى الشُّهُودِ الْحُضُورُ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَحْضُرُ بَعْدَ مَجْلِسِ الْمُحَاكَمَةِ مَجْلِسَ الْقَاضِي لِلشَّهَادَةِ فَيُطْلَقُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عَلَيْهَا شَهَادَةٌ «وَالْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَاقِعَةَ» فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ فَعِبَارَةُ «شَهِدَ» بِمَعْنَى «حَضَرَ» .
أما في (المغني) لابن قدامة يقول: «واشتقاق الشهادة من المشاهدة؛ لأن الشاهد يخبر عما يشاهده، وقيل: لأن الشاهد بخبره جعل الحاكم -يعني القاضي- كالمشاهد للمشهود عليه، وتُسمى بيّنة لأنها تبيّن ما التبس وتكشف الحق فيما اختلف فيه» .
وفي (شرح منتهى الإرادات) للبهوتي -وهو إمام معروف من أئمة الحنابلة المتأخرين، وهو فقيه كبير يُلقب بأبي السَّعادات منصور بن يونس، و «البهوتي» هذه قرية في محافظة الغربية في مدينة اسمها المحلّة الكبرى، وهي مدينة صناعية مشهورة بالغزل والنسيج في مصر، وهذا الرجل وُلد سنة 1000 ه وتوفي وعمره واحد وخمسين سنة، يعني لم يعمّر كثيرًا ولكنه ترك إرثًا فقهيًا وأصوليًا رحمة الله عليه، وله (الروض المربع شرح زاد المستقنع) ، و (كشاف القناع عن متن الإقناع) ، و (دقائق أولي النهى لشرح المنتهى) ، و (عمدة الطالب لنيل المآرب) ، فله كتب جميلة جدًا، وهو كان من أكابر الحنابلة في مصر. للأسف يكاد يكون علماء المذهب الحنبلي في مصر شبه منقرض، موجود ولكن قليل جدًا، ولا يوجد هؤلاء الأعلام الذين كانوا في ذلك الوقت.