الصفحة 144 من 277

الإقرار أو الاعتراف سواء في جرائم القتل العمد أو الخطأ وكل جرائم العدوان على النفس أو على المال، وأيضًا الحقوق في المداينات المالية، والحقوق الشخصية وغيرها، هذه شروط متوافرة في الجميع. هي مشددة فقط في مسائل الدماء لكنها تنطبق على الجميع.

حتى في المال، واحد يعترف أنه أخذ من فلان ألفًا من المال، فقد تكون ألف ريال أو ألف دولار أو غيره من العملات، فلا بد أن يصرّح ويقول ما هو المبلغ بالضبط، أن يكون إقراره صريحًا وليس مبهمًا أو مجملًا. فيشترط الفقهاء أن يكون الإقرار صريحًا لا لبس فيه ولا غموض، وهو يكون كذلك إذا كانت صيغته مفهومة وواضحة ولا تحتاج إلى بيان.

واشتراط صراحة الإقرار ووضوحه جعل بعض الفقهاء -وخاصة الأحناف- يتشكّكون في قبول إشارة الأخرس الدالة على الاعتراف، وإلى هذا ذهب الحنفية: ويستدلّون على ذلك بأن الشرع علّق وجوب الحدّ بالبيان المتناهي، ألا ترى أنه لو أقرّ بالوطء الحرام لا يُقام عليه الحد ما لم يصرح بالزنا، والبيان لا يتناهى إلا بالصريح والكتابة، والإشارة بمنزلة الكتابة، فلا يوجب الحد، كما أن إشارة الأخرس تحتمل ما فهم منها تحتمل غيره، والاحتمال يورث في درء الحد، لكونه مما يندرئ بالشبهات، كذلك فإن إشارة الأخرس تدلّ على عبارته، والحدّ لا يُقام بالبدل. وأيضًا الكتابة، فلو كتب إقراره في كتابه فلا يصح؛ لأن الكتابة تتردد، وهي قائمة مقام العبارة والحدّ لا يُقام بمثله «. هذا في الحدود والقتل والأشياء هذه لا يؤخذ بها الأحناف.

أما جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبو ثور وابن المنذر فيذهبون إلى اعتبار إشارة الأخرس المفهمة وأن الإقرار بها صحيح. وذلك على أساس أن الأخرس نفس مخاطبة، فهو كالأعمى أو أقطع اليدين أو الرجلين ولأن إشارته تقوم مقام نطقه ككتابته.

الإمام السرخسي يوضّح المسألة هذه في (المبسوط) يقول:» وإقرار الأخرس إذا كان يكتب ويعقل جائز في القصاص، وحقوق الناس؛ لأن له إشارة مفهومة تنفذ تصرفاته بتلك الإشارة، ويحتاج إلى المعاملة مع الناس، فيصح إقراره بحقوق العباد ما خلا الحدود. فإن الإقرار بها يستدعي التصريح بلفظ الزنا والسرقة، وبإشارته لا يحصل هذا. ولأن الحدود تُدرأ بالشبهات، فلعلّ في نفسه شبهة لا يتمكّن من إظهارها بإشارته؛ إذ هو لا يقدر على إظهار كل شيء بإشارته».

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت