الصفحة 140 من 277

لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى لاَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى». كما في صحيح مسلم في كتاب الأقضية. والبخاري أيضًا بنفس اللفظ ذكر هذا الحديث في كتاب الفرائض، وفي سنن النسائي أيضًا في كتاب آداب القضاة، وفي سنن البيهقي أيضًا نفس الحديث في كتاب الدعوى والبيّنات.

لكن انظروا إلى كلام النووي -رحمه الله- في تعليقه على هذا الحديث، يقول: «وأما سليمان فتوصّل بطريق من الحيلة والملاطفة إلى معرفة باطن القضية فأوهمهما أنه يريد قطعه ليعرف من يشقّ عليها فتكون هي أمه، فلما أرادت الكبرى قطعه عرف أنها ليست أمه، فلما قالت الصغرى ما قالت عرف أنها أمه، ولم يكن مراده أنه يقطعه حقيقة وإنما أراد اختبار شفقتهما لتتميز له الأم فلما تميزت بما ذكرت عرفها (لا، يرحمك الله هو ابنها) وأن سليمان فعل ذلك حيلة إلى إظهار الحق وظهور الصدق فلما أقرّت به الكبرى عمل بإقرارها وإن كان بعد الحكم كما إذا اعترف المحكوم له أن الحق هنا لخصمه» . يعني يقصد بعد أن أقرّ به للصغرى جاءت المرأة الكبرى وقالت فعلًا هو ابنها، يعني أقرّت وأخذ بإقرارها فيما بعد. إذًا جاء عن طريق التحايل وعن طريق استعمال الحيلة.

وهناك علماء كثر ذكروا ذلك وعلّقوا عليه، والإمام ابن القيم رائع في هذا المقام أيضًا، ولكن أنا أختصر المسائل هنا.

هكذا يستبين لنا صواب رأي من قال بجواز خداع المتهم والتحايل عليه ليقرّ؛ لأننا إذا أغلقنا باب التحايل على المتهم بزعم أن هذا نوع من الإكراه المبطل للإقرار؛ فإن كثيرًا من المجرمين ومحترفي الإجرام سيفلتون من العقاب لأننا نكون قد أعملنا صورة مثالية لإقرار المتهم إذ أنه لن يعترف في هذه الحالة إلا النزر القليل من المتهمين أصحاب الضمائر الحية والأنفس الطيبة التي تأتي لتقرّ طواعية لتكفر عن جرمها -كما حدث في ماعز والغامدية-. كما أن استبعاد استعمال هذه الحيل قبل المتهم من قبل سلطات التحقيق والقاضي الشرعي وعدم التعويل عليها يتسبب في إهدار دماء أبرياء مع شيوع الجريمة وخراب الذمم في وقتنا المعاصر.

وإذا تتبعنا تاريخ القضاة وأدب القضاة قديمًا وتراجم القضاة الكبار مثل القاضي إياس بن معاوية الذي يُضرب به المثل في الذكاء، كان يتحايل، ويستخدم ذكاءه في إقرار المتهم، سواء في الجنايات أو المداينات أو في الأموال أو في أي شيء آخر، كان في غاية الذكاء ومن أكثر القضاة الذين استخدموا الحيلة وخداع المتهم، بدون ضرب ولا أي شيء ولا يوجد أي إكراه، ولا يوجد أحد عاب عليه، بل بالعكس كان مفخرة من مفاخر القضاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت