أن هذا غير مقبول ولا يجوز. وقال الزرقاني من المالكية: «وكره مالك أن يقول السلطان للمتهم أخبرني ولك الأمان لأنه خديعة» .
لكنني أختار بعد المقارنة بين الرأيين السابقين رأي من قال بجواز الاحتيال على المتهم ليقرّ. وهو لم يضرب المتهم أو يعذب أو يهدد في نفسه أو أهله أو ماله وذلك للأدلة التي ذكرها أصحاب الرأي الأول. أما عما ذكره الإمام السرخسي عن قول القاضي للمتهم: «لا أحبسك» نوع غرور وخداع، وما قيل عن مالك إنه كره أن يقول السلطان للمتهم أخبرني ولك الأمان لأنه خديعة؛ فقد أجاب عنه ابن حزم قال: «وقد كره هذا مالك، ولا وجه لكراهيته، لأنه ليس فيه عمل محظور، وهو فعل صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف ينكر ذلك» .
تعليقًا على كلام الإمام ابن حزم أقول: يقصد ابن حزم أن فعل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في تفريق المدّعى عليهم وخداعهم ليس عملًا محظورًا، كما أنه صحابي لا يعرف له مخالف من الصحابة ينكر عليه فعله هذا مع المتهمين فهو إجماع سكوتي. كما أن ابن حزم يرى أن خداع المتهم ليس إكراهًا إذ يقول: «كل ما كان ضررًا في جسم، أو مال، أو توعّد به في ابنه، أو أبيه، أو أهله، أو أخيه المسلم، فهو كره، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» .
إذًا ابن حزم لا يرى أن خداع المتهم والتحايل عليه ليقرّ إكراهًا؛ إذ أنه يرى أن كل ما كان ضررًا في جسم أو مال أو توعد في ابنه، أو أبيه، أو أهله، أو أخيه المسلم فهو إكراه أي أنه -أي ابن حزم- يتوسّع في كلمة الأخوة فلم يقصرها على أخوة النسب بل يتعداها إلى أخوة الدين؛ لذلك استشهد بحديث (المسلم أخو المسلم) . فتحايل القاضي على المتهم ليقرّ ليس ظلمًا ولا خذلانًا كما أنه ليس إكراهًا. وهذا الذي أرجّحه أنا شخصيًا وخاصة أن عدم استخدام هذا الأسلوب مع المتهم قد يضيع حقوق المجني عليه وولي دمه في القصاص من الجاني. حتى في المداينات والحقوق المالية، لو أغفلنا قصة خداع المتهم أو التحايل عليه، طالما أنه لم يضربه، ولم يمسّ جسده أو يهدّده كما يقول ابن حزم.
وهناك رواية تعضّد وتؤكّد هذا الرأي الذي ذكره ابن حزم، وهذا الذي أراه أيضًا، أنه يجوز خداع المتهم والتحايل؛ لأنه ليس ضربًا ولا إكراهًا ولا علاقة له بالإكراه. جاء في صحيح مسلم: عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ