الصفحة 114 من 277

وهذا الحديث (رُفع القلم عن ثلاثة) رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني، وابن خزيمة، وغيرهم. وأنا تتبعت الروايات وخرّجت هذا الحديث في كتابي (إثبات جريمة القتل العمد) بالتفصيل. وهذا رمز له الحافظ العلّامة السيوطي بالصحة، والشيخ الألباني أيضًا في (صحيح الجامع) رمز له بالصحة. المهم هذا الحديث صحيح.

لكن ما وجه الدلالة فيه؟ أن الحديث نصٌ على النائم، والصغير، والمجنون، والمعتوه، والمغمى عليه في معنى المجنون والنائم. فلا يلزم إقرارهم شيئًا لعدم أهلية الالتزام. وعليه لا يصحّ إقرار الصبي لعدم صحة عبارته، ولا يؤاخذ بعد بلوغه بما أقرّ به حال صباه -يعني بعد أن يبلغ بعد خمسة عشر عامًا مثلًا، فنقول له أنت كنت وأنت صغير أقررت بجريمة فنؤاخذك، هذا لا يؤاخذ إلا أن يقر ثانية، لو أقرّ ثانية نأخذه بالإقرار الثاني الذي بعد البلوغ-. وكذا المجنون والمعتوه والمغمى عليه والنائم. ومن زال عقله بسبب مباح أو بعذر كمن شرب خمرًا ظنًا منه أنه ماء، أو أُكره على شربه أو شرب دواءً للتداوي -يعني أكرهوه على شرب الخمر فسكر، أو شرب دواءً للتداوي فأسكره هذا الدواء-. قال المناوي في (فيض القدير) في شرحه لحديث «رُفع القلم عن ثلاثة» : كناية عن عدم التكليف؛ إذ التكليف يلزم منه الكتابة، فعبّر بالكتابة عنه، وعبّر بلفظ الرفع إشعارً بأن التكليف لازم لبني آدم إلا لثلاثة، وأن صفة الرفع لا تنفكّ عن غيرهم «عن النائم حتى يستيقظ» من نومه، «وعن المبتلى» بداء الجنون، «حتى يبر» منه بالإفاقة، وفي رواية بدل هذا وعن المجنون: حتى يعقل. «وعن الصبي» يعني عن الطفل وإن ميّز «حتى يكبر» ، وفي رواية: حتى يشبّ، وفي رواية: حتى يبلغ، وفي رواية أخرى: حتى يحتلم».

أنا أقول إن عبارة «والصبي حتى يحتلم» تفسير لعبارة «الصبي حتى يكبر» ؛ لأن كلمة «يكبر» لا تشير إلى حد معيّن كما قال السبكي: ليس في رواية حتى يكبر من البيان، وفي قوله حتى يبلغ في هذه الرواية؛ فالتمسك بها لبيانها وصحة سندها أولى، وقوله حتى يبلغ مطلق، والاحتلام مقيّد؛ فُحمل عليه؛ لأن الاحتلال بلوغ قطعًا، وعدم بلوغ الخمسة عشر ليس ببلوغ قطعًا».

إذًا لا خلاف بين الفقهاء في عدم مؤاخذة الصبي بإقراره، لكن الخلاف في حدّ الصغر؛ منهم من اكتفى بعلامات البلوغ دون تحديد سنّ، ومنهم من حدّد سنّ البلوغ بخمسة عشر كما في رواية السبكي. وعند الإمامية وغيرهم روايتان في سنّ البلوغ الأولى خمسة عشر مثل أهل السنة، والثانية عشر سنين. وهذه رواية عندهم يعتبرونها شاذّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت