هذه الآية من سورة آل عمران وجه الاستدلال فيها أن نصّ الآية يطلب من النبيين الإقرار؛ فلو كان غير مشروع لما طلبه منه؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- لا يكلّف أحدًا الإتيان بمعصية، وقد أقرّ النبيّون بذلك، فلو كان الإقرار غير مشروع لما فعله النبيّون. وشرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرد ناسخ لذلك.
-وهناك آية أخرى أيضًا في سورة البقرة، يقول الله تعالى: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .
وجه الدلالة هنا أن الله -سبحانه وتعالى- أمر بالإملاء من عليه الحق؛ فلو لم يكن الإملاء لازمًا لما أمر به، ولا يتحقّق الإملاء إلا بالإقرار، ونهى -سبحانه وتعالى- في الآية عن كتمان الشهادة وهو دليل لزوم الإقرار.
وقال العلامة ابن عطية في كتابه (المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) : «أمر الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء؛ لأن الشهادة إنما تكون بحسب إقراره، وإذا كتب الوثيقة وأقرّ بها فهو كإملاله» . يعني هو يقرّ بنفسه.
وقال القرطبي في كتابه (الجامع لأحكام القرآن) : « {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} وهو المديون المطلوب، يقرّ على نفسه بلسانه ليُعلم ما عليه. والإملاء والإملال لغتان، أملّ وأملى؛ فأملَّ لغة أهل الحجاز وبني أسد وتميم تقول: أمليت. وجاء القرآن باللغتين، قال -عزَّ وجلَّ-: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} . والأصل أمللت؛ أُبدل من اللام بياء لأنه أخفّ. فأمره الله تعالى الذي عليه الحقّ بالإملاء؛ لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره» .
ويقول ابن عابدين في حاشيته: «أمره بالإملال فلو لم يُقبل إقراره لما كان للإملال معنى» . الإملال أو الإملاء.
يعني واحد يكتب على نفسه أنه مديون بكذا، أو أنه قتل، يكتب ورقة هكذا يقول يقرّ فلان الفلاني أنه قتل فلانًا، أو أن عليه دينًا لفلان، أو أنه سرق كذا، ويكتبه بنفسه.
-وهناك آية أخرى أيضًا تقول: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 102] .
ووجه الدلالة هنا أن الاعتراف هو الإقرار، {اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ} يعني أقرّوا.
وورد في النص ما يفيد جواز الإقرار بالذنب، وأنه الطريق إلى التوبة التي بها يغفر الله الذنوب إن صحّت وكانت التوبة نصوحًا.