-وهناك آية أخرى وهي قول الله تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 14، 15] .
ووجه الدلالة كما يقول ابن عباس: أي شاهد بالحق. وقال أبو السعود في تفسيره: أي حجّة بيّنة على نفسه شاهدة بما صدر عنه من الأعمال.
وقال ابن عطية أيضًا في تفسيره: «إنه فيه وفي عقله وفطرته حجة وشاهد مبصر على نفسه، ولو اعتذر عن قبيح أفعاله فهو يعلم قبحها» .
-والآية الخامسة التي استندوا إليها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] .
وجه الدلالة هنا أن شهادة المرء على نفسه هي الإقرار كما قال المفسّرون؛ فلو كان الإقرار غير مشروع لما طُلب الإتيان به طلبًا حثيثًا.
ولذلك يقول في (المحرر الوجيز) لابن عطية: «وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقائق، وقوله الحق في كلّ أمره، وقيامه بالقسط عليها» .
هذا من ناحية الأدلة القرآنية في هذه الآيات التي ذكرناها.
• لكن هل هناك أدلّة وردت في السنة النبوية عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟ نعم، وردت أحاديث كثيرة تفيد حجّية الإقرار وهي:
-أولًا الحادثة التي جمعها صحيح مسلم في باب الحدود، جمع بين حادثتي ماعز والغامدية في حديث علقمة بن مرثد يقول:
عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ» ، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ» ، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ: «فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟» فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَبِهِ جُنُونٌ؟»