بالقتل يُقتل، ولا نحتاج إلى أن نقول من شاهده، والقاضي هنا يكتفي بهذا الإقرار؛ ولذلك يلقبونه بـ «سيد الأدلة» . وطبعًا هذا ليس معناه يؤخذ على علّته هكذا، لا بد له شروط وضوابط سنتكلّم عنها إن شاء الله.
والإقرار على قوّته «حجة قاصرة» على المقرّ ولا يتعدّى إلى غيره؛ فمن أقرّ على نفسه وعلى غيره، فيُقبل إقراره هو في حقّ نفسه، ويكون شاهدًا في حقّ غيره. يعني مثلًا خمسة قُبض عليهم في جريمة قتل مثلًا، الخمسة مشتركون في القتل، واحد أقرّ والآخرون لم يقرّوا. إذًا الإقرار هنا قاصر عليه هو، ويمكن نأخذه كشاهد على الآخرين. إذًا هو قاصر عليه ولا يجوز تعميم هذا على الآخرين لأن الآخرين لا يزالون ينكرون؛ فيُحاسب هو، فيكون حجّة عليه هو. وذلك غير البيّنة، مثل شهادة الشهود؛ شهادة الشهود يقول نحن رأينا هؤلاء الثلاثة أو الخمسة يضربون رجلًا، يقتلون رجلًا، هذه عامة على الجميع؛ لأنهم رأوهم جميعًا. إذًا البيّنة عامة ويُحاسب بها الجميع، أما الإقرار لا يُؤخذ به إلا الشخص الذي أقرّ.
ومن اعترف بقتل شخص وأن آخر شاركه، فإن هذا الاعتراف يكون حجةً قارصة على المعترف فقط ما دام الآخر ينكره؛ فإذا سلّم به يؤاخذ باعترافه، وهذا بخلاف البيّنة التي تتعدّى إلى الغير، وقصور الإقرار على أصحابه لعدم ولايته على غيره.
وتفسير ذلك أن الإقرار كما يقول العلماء: خبر متردد بين الصدق والكذب فكان محتملًا، والمحتمل لا يصلح حجة، ولكن جُعل حجة هنا بترجّح جانب الصدق بانتفاء التهمة فيما يقرّ به على نفسه. واحد يقرّ على نفسه هو، نقول هو هنا أقرب للصدق، لأنه يعلم إذا أقرّ بذلك سيُقتل، أو أقرّ بمال سيُلزم بهذا الإقرار؛ إذًا هو عالم لما يقول، ففي هذه الحالة بالنسبة له هو نرجّح جانب الصدق فيه.
«والتهمة باقية في الإقرار على غيره» نفترض هو يقرّ على نفسه وعلى غيره، فنأخذه هو ولكن غيره لا يزال الأمر متهمًا، ربما يريد أن يضرّهم؛ لذلك لا يُحتج بإقراره على غيره.
وهذا الكلام في نص المادة 78 في (درر الحكام) من مجلة الأحكام العدلية: «البيّنة حجّة متعدّية، والإقرار حجة قاصرة» . وشرحها علي حيدر باشها وغيره عندما قال: والأصل أن البيّنة حجّة متعدّية والإقرار حجّة قاصرة على المقرّ لعدم ولايته على غيره». يعني اختصر لنا كلام علماء الأحناف في هذه المسألة.