ولقد دللت مسيرة المعركة على عبقرية الرسول العسكرية في تحقيق النصر في المرحلة الأولى وإدراكه موقع الخطر الذي وقع فيه المقاتلون المسلمون بارتكابهم الخطأ الفادح حين خالفوا الرسول فسارعوا إلى جمع الغنائم من معسكر العدو المنهزم ، ونزل الرماة بدورهم متخلين عن موقعهم الاستراتيجي فكانوا أن فتحوا الثغرة القاتلة التي تبينها الرسول ووضع لأجلها الرماة خشية قيام خيالة العدو ، بقيادة خالد بن الوليد بحركة التفاف مباغتة من الخلف ، وكان لتخلي الرماة عن مواقعهم على الجناح الأيسر ما عدا قلة قليلة بقيت مع قائدها عبد الله بن جبير ، أن تبدل سير المعركة وقلبت موازينها ، وتحولت هزيمة الجيش المكي الأكيدة إلى نصر ، فكاد أن يفنى الجيش الإسلامي لولا ثبات قلة التفت حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستبسلت استبسالًا ملحميًا بعزيمة لا تقهر ، وهي تذود عن صاحب الرسالة ، حتى تمكنت أن تفتح طريقًا حتى مضيق عينين الذي تكسرت عنده هجمة المشركين . . . مما اضطر قادتهم إلى الانسحاب من المعركة بعد أن تواعد الفريقان على اللقاء في بدر العام المقبل ، واعتبر المكيون أنفسهم منتصرين وثأروا للهزيمة في بدر ، إذ أوقعوا الكثير من القتلى في صفوف المسلمين الذين مثل بجثثهم . . . ولا يخفى أن غالبية المؤرخين الإسلاميين عدوا موقعة أحد نصرًا لقريش وهزيمة للمسلمين .
على إن للاستشرق المنصف كلمته إذ لم ير في معركة أحد هزيمة للمسلمين ، ولم تكن بالتالي نصرا للمشركين ، وهذا ما استعرضه المستشرق جيورجيو مناقشًا أراء المؤرخين الإسلاميين كباحث عسكري، انطلاقًا من مفهوم النصر والخسارة في الحرب ، يقول: