الفصل الثالث
سياسة الرسول التوحيدية
الرسول و رسالة التوحيد
إن المسيرة الكفاحية للدعوة الإسلامية ، ونضال الرسول الملحمي لنشر رسالة الإسلام ، ومن ثم الحروب التي خاضتها الدعوة ضد الأنظمة القبلية الوثنية ، جميع هذه الأمور التي استعرضناها في الصفحات السابقة ، كان هدفها نشر راية التوحيد في ربوع الجزيرة العربية ....
وإذا كانت الدعوة الإسلامية توحيدية على صعيد الفكر الديني فهي بدورها توحيدية على الصعيدين السياسي والاجتماعي ، إذ استطاعت عبر نضال الرسول الملحمي أن تتوج بتوحدي جزيرة العرب وصهر القبائل المتنافرة في بوتقة الإسلام كتلة واحدة متراصة.
هذا ، وقد ظهرت سياسة الرسول التوحيدية مع استقراره في المدينة التي فتحها بالقرآن الكريم وحده في أعقاب الهجرة ، وإرساء قاعدة الدولة الإسلامية الأولى ، ووضع أول دستور للمدينة ، وهكذا أخذت تبلور مفاهيم الأمة الإسلامية . . .
الأمة الإسلامية
كانت الحياة العربية قبل الإسلام تقوم أساسًا على نمطية خاصة ، فالقبيلة هي التنظيم الاجتماعي السياسي الذي يظم حياة الفرد في القبيلة ، فكان انتماء العربي الجاهلي انتماء قبليًا ، وليس هناك أية رابطة عملية توحد القبائل وتجمعها ، بل على العكس كانت القبائل متناحرة متحاربة ، وإذا ما قامت أحلاف قبلية ، فلمناصرة قبيلة على أخرى ، وبالتحديد كانت القبيلة العربية تشكل وحدة سياسية مستقلة . . ومن هنا كان الانقلاب الذي أحدثه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عميقًا في حياة الجزيرة العربية إذ استطاع بسياسته الكفاحية التي تمليها روح الإسلام أن يحول هذه الوحدات القبلية المستقلة ويرتقى بها على سيد التطور الاجتماعي لتظهر في إطار الأمة الإسلامية . . . ويبحث المستشرق مونتجمري وات الفرق بين مفهومي القبيلة والأمة ، بقوله: