فانطلقت به خديجة ، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قص - وهو ابن عم خديجة ، أخي أبيها- وكان امرءأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب ، وكان شيخًا كبيرًا قد عمى ، فقالت له خديجة: يا ابن عم ، اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة: يا ابن أخي ، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خبر ما رأى ، فقال له ورقة: « هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ، يا ليتني فيما جذعًا ، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك » . فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أو مخرجي هم ؟ قال: نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وان يدركني يومك حيًا أنصرك نصرًا مؤزرًا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي ، وخر الوحي )) [1] .
الوحي صوت الحقيقة الأبدية
هذا ، وقد تناول عدد من المستشرقين قصية البعثة ونزول الوحي على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وأن الصوت الذي سمعه في غار حراء كان حقًا هو صوت الحقيقة الأبدية التي أنزلها الله عليه عن طريق جبريل عليه السلام .
يقول الأب هنري لامنس:
(( هكذا كان محمد بحراء ، فكان ينشد الكون في تلك الجبال إلى كان يذهب يخلو بنفسه فما متأملا في السماء ذات الكواكب ، إلى ما كان في يسمعه من أعمق أعماق قلبه ، وهو الرجل الأمي الفطري الصادق ، و ذلك الصوت هو صوت الحقيقة الأبدية ) ) [2] .
ويتابع الأب هنرى لامنس ، قوله:
«لم يكن محمد ممن لم يعرف العالم الباطن ، نعم ، لم يكن متصوفًا بالمعنى المعروف ، إلا انه كان عن يرى أن الأمور التي في الغيب أعظم من الأمور التي تحت الحس ، المشهود أدنى درجة من المحجوب ، فالنظام الروحي في نظره هو الأهم وهو الوجود الحقيقي )) [3] .
(1) جامع الاصول في احاديث الرسول ، ج 11 ، ص275-276.
(2) هنري لامنس: عهد الاسلام ، ص 62.
(3) المصدر السابق: ص 80.