ومع ذلك لم يكن جميع المسلمين الأوائل على هذا المستوى والاستعداد للتضحية ، فكان هناك من لانت قناته فلم يصبر ولم يصمد أمام العذاب ، فانتزعت من شفاههم كلمات الردة عن الإسلام ، رغم إيمانهم بالرسالة ، مما جعلهم يعانون الأمرين ، مرارة الخجل والشعور بالهزيمة ، ومرارة تنكرهم للإسلام والتزامهم بدين أجدادهم ، ويتحدث المستشرق الرومانى « جيورجيو» عن الأوضاع السائدة ، قبل أتحاذ الرسول قرار هجرة المسلمين إلى الحبشة ، بقوله:
(( لم يكن إيمان بعض من أسلم مؤخرًا بمستوى المسلمين الأوائل ، كما لم يكن لهم ذلك العزم الذي يجابه شدائد المشركين ، ولاسيما أن قريشًا زادت من عدائها حيث منعت الناس من بيع المسلمين والشراء منهم ، كما منعت الزواج منهم ، أو التزوج ببناتهم . ففي مكة ، كانت التجارة هي الوسيلة الوحيدة للعيش ، فعندما امتنعوا عن التعامل معهم شلوا حركتهم وهذا ما دفع بعض من أسلموا مؤخرًا إلى التخلي عن إيمانهم والارتداد إلى دين أجدادهم ) ) [1] .
ويتحدث المستشرق الفرنسي ه آتيين دينيه ، عن مأساة المسلمين وآلام الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفتنتهم ، وقراره الشجاع بهجرتهم إلى الحبشة ، قائلًا:
(( وامتلأت نفس الرسول حزنًا ، أمام هذه المآسي التي كان يتحملها ضعاف المسلمين الذين لا يجدون من يحميهم . حقًا إن شجاعة المعذبين والشهداء في سبيل الله برهنت على إسلامهم العميق ، ولكنه رأى أن من الخير ألا يستمر هذا البلاء ، فنصح الضعفاء ومن لم تدعهم الضرورة إلى البقاء في مكة بالهجرة إلى الحبشة حيث المسيحيون ، وحيث التسامح والعدل اللذان اشتهر بهما ملكها النجاشي ) ) [2] .
(1) ك. جيورجيو: نظرة جديدة على سيرة رسول الله ، ص 116.
(2) آتيين دينيه: محمد رسول الله ، ص 145.