هذا ، وقد استخدمت السلطة القرشية جميع أسلحتها لمحاربة الدعوة الإسلامية ، التي وان كانت تعيش أجواء الحصار ، وتنتشر بصعوبة ، لأنها أدركت جدية الخطر المقبل ،إذ أخذ بعض القرشيين يتعاطفون مع هذه الفئة الصامدة ، كما كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - الداعية الإسلامي الأول عميق الأثر في وجدان من يحاججهم ويدعوهم إلى طريق الهداية ... فحين أدركت قريش فشل أساليبها العقيمة لجأت إلى سلاح آخر هو سلاح الوعد والوعيد والترغيب والترهيب . . . لقد عرضت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - المال والجاه والسلطان والنساء ، على أن يتخلى عن رسالته . .. لكن هيهات أن تجدي هذه الوسائل والأساليب نفعًا . . . فارتدت إلى أساليب الإيذاء النفسي والجسدي ، التي بلفت مرحلة خطيرة ، إذ جرت محاولتان لقتله وهو يصلى في ظل الكعبة .
غر أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ من الإيمان برسالته درجة لا رجوع فيها ورغم كل الخاطر و المزالق ، وكل أساليب الوعد والوعيد ما كان بمقدوره ، أن يتراجع قيد أنملة عن مسيرته ، وهو على ثقة تامة بأن الله مؤيده بنصر ولا ريب ، وأن الرسالة لا بد أن تعم مستقبلًا ، ولذا مضى مستهينًا بكل الصعاب ليقينه أن نشر رسالة التوحيد في الأجواء الوثنية لا بد أن تؤلب عليه الأعداء وتقوده إلى خصومة القيادة القرشية ، يقول المؤرخ الأمريكي واشنجتون ارفنج:
(( لقي الرسول من أجل نشر الإسلام كثيرًا من العناء ، وبذل عدة تضحيات . فقد شك الكثير في صدق دعوته ، وظل عدة سنوات دون أن ينال نجاحًا كبيرًا ، وتعرض خلال إبلاغ الوحي إلى الإهانات والاعتداءات والاضطهادات ، بل اضطر إلى أن يترك وطنه ويحث عن مكان يهاجر إليه . . . فقد كان في الأربعين من عمره حينا نزل عليه الوحي وعانى كثيرًا سنة بعد أخرى في نثر الإسلام بين أفراد قبيلته ) ) [1] .
(1) واسنطون ارفنج (نقلا عن كتاب روح الدين الإسلامي ، ص 437) .