ويتابع المستشرق النمساوي المسلم عرض فكرته هذه ليرى مدى صلاحيتها فإذا ما بحث الإسلام ، كثقافة إسلامية لعبت دورًا حضاريًا عظيمًا ، ليرى إلى أين تسير ، هل تمض إلى أمام أم تتراجع إلى الخلف . .. يقول:
(( هذه إذًا حال الإسلام ، ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية . كما لا شك فه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة وعهدًا من الازدهار ، وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال وأنواع التضحية ، ولقد غيرت معالم الشعوب وخلقت دولًا جديدة ثم سكنت وركدت وأصبحت كلمة جوفاء ، وها نحن أولاء اليوم نشهد انحطاطها التام وانحلالها ، ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟
إذا كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية بين المدنيات الآخر ، وليس نتاجًا بسيطًا لآراء البشر وجهودهم ، بل هو شرع سنه الله لتعمل به الشعوب في كل مكان وزمان ، فإن الموقف يتبدل تمامًا . ولكن إذا كانت الثقافة الإسلامية في اعتقادنا نتيجة لاتباعنا شرعًا منزلًا فإننا حينئذ لا نستطيع أبدًا أن نقول بأنها كسائر الثقافات خاضعة لمرور الزمن ومقيدة بقوانين الحياة العضوية ثم إن ما يظهر انحلالًا في الإسلام ليس في الحقيقة إلا موتًا وخلاء يحلان في قلوبنا التي بلغ من نحولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلي . ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية _مع نموها الحاضر_ قد استطاعت أن تشب عن الإسلام ، بل إنها لم تستطع أن تخلق نظامًا خلقيًا أحسن من ذلك الذي جاء به الإسلام . إنها لم تستطع أن تبني فكرة الإخاء الإنساني على أساس عملي ما كما استطاع الإسلام أن يفعل حينما أتى بفكرة القومية العليا:"الأمة"إنها لم تستطع أن تشيد صرحًا اجتماعيًا يتضاءل التصادم والاحتكار بين أهله فعلًا على مثال ما تم في النظام الاجتماعي في الإسلام . إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان ولا أن تزيد في شعوره بالأمن ولا في رجائه الروحي ولا سعادته )) [1] .
(1) المصدر السابق ، ص 105.