فالنسبية إذن قاعدة مقبولة في حقل التشريع لا حين يتعدى الأمر التوكيد الجوهري لعامة القانون الإلهي . وإليك إحدى أهم مساهمات الإسلام في تأليف مفهوم عالمي حديث: التسماح وهو واجب ديني وأمر شرعي . والقرآن واضح في الإشارة إليه: { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه . فالحكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق . لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات } .
وترتسم في هذا الإطار العام ثلاث فئات من غير المسلمين . فهناك أولًا المشرك المدعو للدخول في الدين الجديد دون أن يتخذ بحقه تدبير طرد ، وليس أمامه نظريًا إذا ناصب الإسلام والمسلمين العداء إلا أن يختار بين اعتناق الدين والقتال حتى الموت . وهناك ثانيًا اعتنق لدين توحيدي القاطن خارج العالم الإسلامي (الحربي ) . ولكن في وسعه أن يقيم مؤقتًا فيه تبعًا لإجراء في غاية البساطة . ويبدو هذا النموذج الثاني أقرب إلى فكرة «الأجنبي» حسب المذهب الحديث . و تضم الفئة الثالثة أخيرا الموحدين الذين"تحميهم"الجماعة الإسلامية . و كثير ما لجأت الكتابات الغربية إلىعملية تعميم مفرطة في التبسيط فاعتبرت هؤلاء «المحميين » بمثابة «مواطنين من الدرجة الثانية » . والواقع أن هؤلاء القوم كانوا أجانب خاضعين لقوانينهم الخاصة . و «محميين » بالمعنى الفعلي للفظة ، لانهم مقيمون جغرافيًا في المجال الخاضع سياسيًا وثقافيًا للإسلام . وكانوا يؤلفون أقليات دينية متناسقة تكفل أوضاعها نظم قانونية ملزمة إزامًا شديدًا للأغلبية المسلمة لأنها جزء من التنزيل )) [1] .
التعايش الأخوي
(1) مارسيل بوزار: إنسانية الإسلام ، ص 183-184.