نعم إن الرجل الكبير لا يفخر بإخلاصه قط ، بل هو لا يسأل نفسه أهي مخلصة أو بعبارة أخرى أقول إن إخلاصه غير متوقف على إرادته ، فهو مخلص على الرغم من نفسه سواء أراد أم لم يرد ، فهو يرى الوجود حقيقة كبرى تروعه وتهوله ، حقيقة لا يستطيع أن يهرب من جلالها الباهر مهما حاول . هكذا خلق الله ذهنه ، وخلقة ذهنه على هذه الصورة هي أولى أسباب عظمته ، وهو يرى الكون مدهشًا ومخيفًا وحقًا كالموت وحقًا كالحياة ، وهذه الحقيقة لا تفارقه أبدًا وإن فارقت معظم الناس فساروا على غير هدى وخطوا في غياهب الضلال والعماية ، بل تظل هذه الحقيقة كل لحظة بين جنبيه ونصب عينيه ، كأنها مكتوبة بحروف من اللهب لا شك فيها ولا ريب . ها هي ، ها هي ، فاعرفوا هداكم الله أن هذه أولى صفات العظيم ، وهذا وحده الجوهري و تعريفه ، وقد توجد هذه في الرجل الصغير فهي جديرة أن توجد في نفس كل إنسان خلقه الله ، ولكنها من لوازم الرجل العظيم ، ولا يكون الرجل عظيمًا إلا بها .
مثل هذا الرجل هو ما نسميه رجلا أصليًا صافي الجوهر ، كريم العنصر فهو رسول مبعوث من الأبدية المجهولة برسالة إلينا . فقد نسميه شاعرًا أو نبيًا أو إلهًا ، وسواء هذا أو ذاك أو ذلك فقد نعلم أن قوله ليس بمأخوذ من رجل غيره ، ولكنه صادر من لباب حقائق الأشياء . نعم ، هو يرى باطن كل شيء لا يحجب عنه ذلك باطل الاصطلاحات ، وكاذب الاعتبارات والعادات والمعتقدات وسخيف الأوهام والآراء ، وكيف . .؟ وإن الحقيقة تسطع لعينه حتى يكاد يعشي لنورها ، ثم إذا نظرت إلى كلمات العظيم شاعرًا كان أو فيلسوفًا أو نبيًا أو فارسًا أو ملكًا ، ألا تراها ضربًا من الوحى ؟ والرجل العظيم في نظرى لمخلوق من فؤاد الدنيا وأحشاء الكون ، فهو جزء من الحقائق الجوهرية للأشياء ، وقد دل الله على وجوده بعدة آيات ، أرى أن أحدثها وأجدها هو الرجل العظيم الذي علمه الله العلم والحكمة ، فوجب علينا أن نصغي إليه قبل كل شيء . . .